أثار تقرير حديث صادر عن ديوان المحاسبة الليبي جدلاً واسعاً حول السفارات الليبية وتكاليف التشغيل، حيث كشف التقرير عن زيادة كبيرة في ميزانيات الرواتب للعاملين في البعثات الدبلوماسية خلال عام 2024. هذا الارتفاع يضع وزارة الخارجية تحت ضغط متزايد وتساؤلات حول آليات الإنفاق والتعيين، خاصة في ظل الانقسام السياسي المستمر الذي تشهده البلاد. التقرير سلط الضوء على ضرورة إعادة تقييم الكفاءة والفعالية في إدارة هذه المؤسسات الحيوية.
الارتفاع في مخصصات الرواتب وتأثير الانقسام السياسي على السفارات الليبية
أظهر التقرير الرقابي ارتفاعاً في مخصصات بند الرواتب بنسبة 37% مقارنة بالعام السابق، ليصل إجمالي النفقات إلى أكثر من مليار ونصف المليار دينار ليبي. يعزو مراقبون هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، بما في ذلك التوسع في أعداد الموظفين والاستعانة بخدمات غير ضرورية، بالإضافة إلى التضخم في المطالبات المالية. هذا التوسع يحدث في وقت تعاني فيه ليبيا من تحديات اقتصادية وسياسية عميقة.
تضارب الآراء حول أسباب الزيادة
يرى وكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، أن هذه الزيادة تعكس “استنزافاً ممنهجاً” لميزانيات السفارات. وأشار إلى أن التعيينات في السلك الدبلوماسي غالباً ما تكون مدفوعة بالاعتبارات السياسية وليس بالكفاءة المهنية. في المقابل، دافع مصدر دبلوماسي رفيع المستوى عن وزارة الخارجية، مؤكداً أن ميزانيتها تعتبر من الأدنى بين الوزارات السيادية.
وبحسب المصدر، فإن نفقات المرتبات في وزارة الخارجية لا تتجاوز سقف ملياري دينار، وهي أقل بكثير من تلك المخصصة لوزارتي الدفاع والداخلية. ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الميزانية، بل في طريقة إدارتها وتوزيعها على البعثات المختلفة، بالإضافة إلى تداخل صلاحيات الجهات المعنية.
تأثير المحاصصة السياسية والميليشيات
يؤكد الدكتور محمد حسن مخلوف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، على أن الزيادة في ميزانية السفارات مرتبطة بشكل وثيق بالانقسام السياسي والمحاصصة. وأضاف أن السلطات في غرب البلاد غالباً ما تستخدم المناصب في السفارات لتقديم تنازلات سياسية واجتماعية لأطراف نافذة ومجموعات مسلحة. يصف هذا الوضع السفارات بأنها أصبحت “أداة للمحاصصة” بدلاً من كونها مؤسسات تمثل الدولة وتعزز مصالحها.
وقد كشف المصدر الدبلوماسي أن نسبة كبيرة من العاملين في بعض البعثات هم من خارج السلك الدبلوماسي، بل وحتى من خارج القطاع العام، مما يثير تساؤلات حول الكفاءة والمهنية. بالإضافة إلى ذلك، يتحمل القطاع الدبلوماسي أعباء مالية إضافية تتعلق بالملاحق الصحية والعسكرية والتعليمية، والتي تتبع في الأصل وزارات أخرى.
الطعون القانونية والإجراءات التقشفية
في ردة فعل على هذه الأوضاع، أعلن عبدالسلام أبو غالية، عضو مجلس السياسات في «الحزب الديمقراطي»، عزمه الطعن أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية القانون المنظم للعمل الدبلوماسي. يعتبر أبو غالية أن هذا القانون لم يعد ملائماً للمرحلة الراهنة، وأنه ساهم في إضعاف الأداء المؤسسي. يهدف هذا الطعن إلى إعادة تنظيم العمل الدبلوماسي بما يضمن الكفاءة والشفافية.
يشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة قد اتخذت في وقت سابق إجراءات تقشفية شملت إغلاق 25 سفارة وتقليص الكادر الدبلوماسي بنسبة 20%. هذه الخطوات قوبلت بترحيب من بعض الأطراف، ولكنها لم تعالج الأسباب الجذرية للمشكلة، وفقاً لمحللين. السياسة الخارجية تتأثر سلبًا بهذه الإجراءات المتناقضة.
المجتمع المدني وتأثيره على الشفافية
تسعى منظمات المجتمع المدني الليبي إلى زيادة الضغط على الحكومة لتبني إصلاحات حقيقية في السلك الدبلوماسي. وتركز هذه المنظمات على أهمية ربط المرتبات بالأداء والنتائج، وتقييم أداء البعثات الدبلوماسية بشكل دوري، وتعزيز الشفافية في عمليات التعيين والإنفاق. تأمل هذه الجهود في تحقيق تحسن ملموس في كفاءة وفعالية الدبلوماسية الليبية.
وفي الختام، يبدو أن مستقبل السفارات الليبية والعمل الدبلوماسي في البلاد يعتمد على مدى قدرة الأطراف السياسية على تجاوز الخلافات وتبني رؤية موحدة للإصلاح. من المتوقع أن تستمر النقاشات حول ميزانية وزارة الخارجية والعمل الدبلوماسي في الفترة المقبلة، مع التركيز على إيجاد حلول مستدامة تضمن تمثيل ليبيا بشكل فعال في المحافل الدولية. سيراقب المراقبون عن كثب نتائج الطعن القانوني والإجراءات التي ستتخذها الحكومة في هذا الصدد.
