كثفت روسيا، يوم الجمعة، جهودها الدبلوماسية لتهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، وذلك عبر سلسلة من الاتصالات التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. تأتي هذه التحركات في ظل مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مباشرة، وتسعى موسكو إلى احتواء التصعيد من خلال وساطتها النشطة. وتعتبر هذه الجهود جزءًا من سياق أوسع يشمل التطورات الإقليمية والضغوط الدولية المتزايدة.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن بوتين شدد، خلال اتصاله ببزشكيان، على أهمية مواصلة العمل لتهدئة الوضع في المنطقة، مشيرًا إلى تصاعد التوترات والمخاوف من توسع دائرة الصراع. كما أجرى بوتين محادثات مع نتنياهو ركزت على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وإيران، مع التأكيد على استعداد موسكو لمواصلة دور الوساطة وتسهيل الحوار بين جميع الأطراف المعنية.
موسكو تسعى لاحتواء التصعيد بين إيران وإسرائيل
تأتي وساطة موسكو في وقت تشهد فيه إيران ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة. فقد اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في أواخر ديسمبر الماضي على خلفية الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والتي أسفرت، وفقًا لمنظمات حقوقية، عن مقتل وإصابة واعتقال الآلاف. وتزامنت هذه الاحتجاجات مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي هددت بالتدخل، بالإضافة إلى تقارير إعلامية عن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مما أثار المزيد من القلق بشأن احتمالات التصعيد.
وفي العام الماضي، شهدت المنطقة توترات متصاعدة، بما في ذلك قيام كل من إسرائيل والولايات المتحدة بشن ضربات على مواقع نووية إيرانية، بالإضافة إلى مواجهة عسكرية استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو. هذه الأحداث تظهر مدى هشاشة الوضع الإقليمي والحاجة الماسة إلى جهود دبلوماسية مكثفة لمنع المزيد من التصعيد.
تطمينات سرية وتبادل الرسائل
قبل يوم واحد من اتصالات بوتين، كشفت صحيفة واشنطن بوست عن تبادل إسرائيل وإيران لتطمينات سرية عبر وساطة روسية. وقد أكدت كل من الدولتين، من خلال هذه القنوات غير المعلنة، أنها لن تبادر إلى شن هجوم استباقي على الأخرى. ويُعد هذا التطور غير مألوف في ظل العداء العلني الذي يميز العلاقات بين الخصمين الإقليميين.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فقد أبلغ مسؤولون إسرائيليون القيادة الإيرانية، عبر القناة الروسية، بأن إسرائيل لن تشن هجمات على إيران ما لم تتعرض لهجوم أولاً. وردت طهران، من خلال الوسيط الروسي، بالتزامها بعدم تنفيذ أي ضربة استباقية، في محاولة متبادلة لاحتواء احتمالات التصعيد المباشر. ويعكس هذا التبادل إدراكًا متزايدًا لمخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
في الوقت نفسه، وصل رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات حول الوضع في إيران، ومن المتوقع أن يلتقي بالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في ميامي. تأتي هذه المحادثات في إطار الجهود الأمريكية المتواصلة لفهم وتقييم التطورات في إيران، والتنسيق مع حلفائها بشأن أفضل السبل للتعامل مع الأزمة.
الحسابات المتغيرة وتأثير الاحتجاجات
لا يزال من غير الواضح كيف ستؤثر الاحتجاجات الأخيرة في إيران على حسابات الطرفين، وما إذا كانا سيواصلان الالتزام بالتفاهم غير المعلن. ويرى محللون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يدرس توجيه ضربات ضد أهداف إيرانية ردًا على قمع الاحتجاجات، محذرين من أن أي هجوم قد يدفع طهران إلى ردود واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، أكد مسؤول إيراني رفيع لوكالة رويترز أن إيران سترد على أي هجوم باستهداف قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. في المقابل، لا تزال إسرائيل تدرس خياراتها، مع الأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة للتصعيد وتأثير ذلك على أمنها القومي.
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن موسكو تسعى، من خلال تكثيف اتصالاتها مع طهران وتل أبيب، إلى تثبيت دورها كوسيط رئيسي في ساحة إقليمية شديدة الهشاشة. ويأتي هذا في توقيت يتقاطع فيه التصعيد مع الحرب في أوكرانيا، مما يزيد من أهمية الدور الروسي في المنطقة.
من المتوقع أن تستمر روسيا في جهودها الدبلوماسية خلال الأيام القادمة، بهدف تحقيق مزيد من التهدئة وتجنب التصعيد. وستراقب موسكو عن كثب التطورات على الأرض، بما في ذلك مسار الاحتجاجات في إيران وردود الأفعال الإقليمية والدولية. كما ستواصل التنسيق مع الأطراف المعنية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بهدف إيجاد حلول سياسية للأزمة.
في الختام، يبقى الوضع في الشرق الأوسط معقدًا وغير مستقر. وتعتمد فرص تحقيق الاستقرار على قدرة الأطراف المعنية على ممارسة ضبط النفس والانخراط في حوار بناء. وستظل وساطة روسيا، إلى جانب الجهود الدبلوماسية الأخرى، ضرورية لاحتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.
