وزير الصحة السوداني: الحرب كلفت القطاع الصحي 11 مليار دولار وتسببت في انهيار الخدمات

الخرطوم، السودان – كشف وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، أن الحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل 2023 تسببت في خسائر أولية تقدر بنحو 11 مليار دولار للقطاع الصحي. وأوضح الوزير أن هذا الرقم مرشح للزيادة مع استمرار النزاع وتزايد الدمار، مشيراً إلى أن معظم المستشفيات والمؤسسات الصحية في العاصمة الخرطوم وولايات أخرى تعرضت للتخريب والنهب. ويؤكد حجم الخسائر انهيار النظام الصحي وتفشي الأوبئة والأمراض وسوء التغذية في بلد يعاني أصلاً من تحديات صحية مزمنة.

وفي مقابلة مع “الشرق الأوسط”، شدد الوزير محمد إبراهيم على أن الدمار شمل جميع ولايات السودان، حيث تم تخريب المستشفيات، ونهب الأدوية والعربات، بل وتعرضت الكوادر الصحية للاستهداف المباشر. وأكدت تصريحاته تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية، مع تحول مؤسسات طبية إلى ثكنات عسكرية ونقص حاد في الخدمات الطبية الأساسية.

خسائر القطاع الصحي: حجم الدمار وتكاليف الإعادة

وأكد الوزير أن الخسائر الأولية في القطاع الصحي تقدر بنحو 11 مليار دولار، مضيفاً أن التقديرات النهائية ستكون بعد نهاية الحرب، خاصة وأن أجزاء واسعة من البلاد لا تزال تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ووفقاً لوزير الصحة، فقد تجاوز عدد المستشفيات المستهدفة 500 حالة، مما يدل على حجم الدمار الممنهج للقطاع الصحي. وتتضمن هذه الخسائر تخريب البنية التحتية، وفقدان المعدات الطبية، ونقص الأدوية الأساسية، بالإضافة إلى التأثير النفسي والجسدي على الكوادر الطبية الذين تعرض الكثير منهم للقتل أو الاحتجاز.

من جانبها، كشفت وزارة الصحة عن خطة لإعادة الإعمار والتأهيل بميزانية تقدر بنحو ملياري دولار، بهدف استعادة الخدمات الصحية الأساسية في المناطق التي استعادها الجيش السوداني. ومع ذلك، أشار الوزير إلى أن هذا المبلغ لا يشمل إعادة بناء كل ما دمرته الحرب، مما يعني حاجة إضافية لتمويل في المستقبل. كما أكد على أن إعادة بناء النظام الصحي تتطلب ميزانيات ضخمة وجهوداً استثنائية، خاصة في ظل استمرار الصراع.

حالياً، يحتاج السودان إلى 300 مليون دولار كحد أدنى لتوفير الاحتياجات الأساسية من الأدوية والمستهلكات الطبية. هذا النقص الحاد في التمويل يعيق قدرة الوزارة على تلبية الاحتياجات العاجلة للمواطنين، خاصة في ظل تفشي الأمراض والحاجة الملحة للعلاج.

الدعم السعودي: شريك أساسي في الاستجابة الإنسانية

في ظل الأزمة، برزت السعودية كداعم رئيسي للسودان، خاصة من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة. وقد تجاوز إجمالي الدعم الإنساني والإغاثي السعودي المقدم للسودان حتى نوفمبر 2025 مبلغ 134 مليون دولار. وتضمنت هذه المساعدات بشكل أساسي المستهلكات الطبية، والأجهزة الطبية، والأدوية. كما شهدت الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب السوداني، عبر منصة “ساهم”، تبرعات تجاوزت 19.4 مليون دولار، بمشاركة أكثر من نصف مليون متبرع.

وأكد وزير الصحة السوداني أن الدور السعودي هو دور أساسي، مثمناً جهود مركز الملك سلمان في توفير الاحتياجات الطبية الملحة. وتأتي هذه المساعدات لتخفيف العبء عن كاهل القطاع الصحي المتضرر بشدة.

أزمة سوء التغذية والمبادرات الصحية

يعاني السودان من معدلات مرتفعة لسوء التغذية، حيث يصل المتوسط العام إلى 15%، وترتفع هذه النسبة إلى 30% في بعض الولايات، خاصة في المناطق النائية والمعزولة. وتشكل مناطق دارفور وكردفان بؤراً رئيسية لهذه الأزمة. وتبذل وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمات دولية مثل اليونيسف ووكالات الأمم المتحدة، جهوداً لحل هذه المشكلة، بما في ذلك فتح أكثر من 400 منفذ للتغذية والعلاج في دارفور.

وفيما يتعلق بالتطعيمات، انخفضت معدلاتها إلى أقل من 40% خلال عامي 2023-2024 بسبب الحرب. إلا أنه تم تسجيل تحسن ملحوظ، حيث تجاوزت المعدلات 70% بنهاية عام 2025، وهو ما ساهم في خفض معدلات الإصابة بالحصبة والدفتيريا. وتم تنفيذ حملات تطعيم تستهدف أكثر من 9 ملايين طفل، بما في ذلك حملات لمكافحة شلل الأطفال.

تحديات التمويل وصعوبة الوصول

يواجه النظام الصحي في السودان تحديات جمة، أبرزها ضعف التمويل وعدم القدرة على سد الفجوة في الاحتياجات الصحية المتزايدة، خاصة في الولايات الغربية ودارفور. كما أن متطلبات إعادة الإعمار وتحسين بيئة العمل لعودة الخدمات للمواطنين تتطلب موارد مالية وبشرية ضخمة.

تتفاقم هذه التحديات بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان، ما يجعل الاعتماد على المنظمات الدولية والوطنية العاملة في الميدان أمراً ضرورياً. وتسيطر قوات الدعم السريع على معظم المستشفيات والمرافق الصحية في إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، مما يعيق وصول المساعدات والخدمات الطبية للمواطنين في المناطق المتأثرة بالنزاع.

تأمين الإمداد الدوائي وتفشي الأوبئة

بحلول عام 2025، تسعى وزارة الصحة إلى تحقيق استقرار كامل في توفر الأدوية الأساسية، مع تأمين أكثر من 700 صنف دوائي. كما تشهد عودة جزئية لعدد من مصانع الأدوية للعمل، مما يعزز استدامة الإمدادات الدوائية. وفيما يتعلق بسلاسل الإمداد، ارتفعت نسبة توفر الأدوية الأساسية من أقل من 30% إلى أكثر من 75%، مع تراجع في ندرة الأدوية المنقذة للحياة. كما تم توسيع السعة التخزينية للمركز الرئيسي للإمدادات الطبية في الخرطوم.

في غضون ذلك، تتفاقم مشكلة تفشي الأوبئة، حيث تم تسجيل 79 حالة إصابة بحمى الضنك في محلية مروي بالولاية الشمالية. ويأتي تفشي الملاريا وحمى الضنك في العاصمة وولايات أخرى كامتداد لموجات وبائية سابقة. وتعكف الوزارة على تطبيق استراتيجية واضحة لمكافحة نواقل الأمراض، مع الإعلان عن حملة كبرى لاستئصال الملاريا.

آفاق مستقبلية

لا يزال القطاع الصحي السوداني يواجه مستقبلًا غامضًا، يعتمد بشكل كبير على مسار الحرب واتجاهات الدعم الدولي. ومع استمرار الصراع، فإن إمكانية استعادة الخدمات الصحية بالكامل وتلبية الاحتياجات الملحة للمواطنين تظل تحديًا كبيرًا. وستكون المرحلة المقبلة حاسمة لتحديد مدى قدرة السودان على تجاوز هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة.

شاركها.