دراسة جديدة: عدد قتلى الحرب في غزة أعلى بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة

كشفت دراسة مستقلة نشرتها مجلة “ذا لانسيت غلوبال هيلث” الطبية المرموقة أن حصيلة الضحايا الفلسطينيين خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى من الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة بلغت أكثر من 75 ألف شخص. ويعد هذا الرقم أعلى بكثير من الإحصائيات التي كانت تعلنها آنذاك وزارة الصحة في القطاع، والتي أشارت إلى حوالي 49 ألف قتيل. تأتي هذه الدراسة، الخاضعة لمراجعة الأقران، لتقدم رؤية معمقة حول الأثر البشري للصراع، مشيرة إلى أن الوفيات المرتبطة بالعنف شملت نسبة كبيرة من النساء والأطفال وكبار السن.

وقد توصلت الدراسة، التي تعد أول مسح سكاني مستقل للوفيات في غزة، إلى أن ما بين 3% إلى 4% من سكان القطاع لقوا حتفهم نتيجة أعمال العنف المباشرة بحلول أوائل يناير 2025. كما أشارت إلى وجود عدد كبير من الوفيات غير المباشرة التي نجمت عن الصراع، مما يزيد من عبء الخسائر البشرية. وأجرى العمل الميداني للبحث مركز “بي بي سي إبسوس” بالتعاون مع “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية”، الذي يديره خليل الشقاقي، وشمل ألفي أسرة فلسطينية خلال سبعة أيام بدأت في 30 ديسمبر 2024.

تحليل مستقل للوفيات في غزة

تتناول الدراسة، التي يعد مؤلفها الرئيسي مايكل سباجت، أستاذ في جامعة رويال هولواي بلندن، مسألة حساب أعداد الضحايا التي ظلت محل جدل حاد منذ بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023. اعتمدت الدراسة على مقابلات مباشرة مع أفراد الأسر، وهي منهجية تختلف عن الاعتماد على السجلات الإدارية الرسمية. ووفقًا لمؤلفي البحث، فإن نتائجهم تتنافى مع ادعاءات تضخيم الأرقام، بل تشير إلى أن بيانات وزارة الصحة في غزة كانت متحفظة.

وأوضحت الدراسة أن الوفيات المرتبطة بالعنف شكلت نسبة 56.2% من إجمالي الوفيات خلال الفترة المشمولة، وهي نسبة تتماشى مع ما كانت تشير إليه تقارير وزارة الصحة. ومع ذلك، فإن إجمالي الوفيات المرتبطة بالعنف الذي توصلت إليه الدراسة أعلى بكثير من الأرقام المعلنة آنذاك. ومن المثير للاهتمام، أن الباحثين قدروا وجود حوالي 16,300 حالة وفاة غير مرتبطة بالعنف خلال نفس الفترة، ناجمة عن أمراض مزمنة أو حالات صحية سابقة أو حوادث أخرى لا صلة مباشرة بالقتال.

دقة الأرقام وتشكيك إسرائيل

تعتبر الأمم المتحدة أن أرقام وزارة الصحة في غزة موثوقة، إلا أن إسرائيل عبرت عن تشككها في هذه الأرقام، مشيرة إلى سيطرة حركة حماس على الوزارة. ومع ذلك، صرح ضابط كبير بالجيش الإسرائيلي لوسائل إعلام إسرائيلية في وقت سابق بأن أرقام الوزارة دقيقة بشكل عام، وهو ما وصفه الجيش لاحقاً بأنه لا يعكس البيانات الرسمية. وتؤكد الدراسة الجديدة التي صدرت في “ذا لانسيت”، أن تحليلها يتنافى مع ادعاءات التضخيم وأن بيانات الوزارة قد تكون متحفظة في ظل الظروف القاسية.

وفي تحليل سابق نشر في مجلة “لانسيت” العام الماضي، قدر باحثون أن وزارة الصحة ربما قللت من عدد الوفيات بنحو 40% خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب. ويبدو أن البحث الجديد المتعمق يؤكد وجود فجوة مماثلة في التقديرات، مما يثير تساؤلات حول حجم التأثير الإنساني الحقيقي للصراع.

منهجية الدراسة والنتائج

اعتمد الباحثون في هذه الدراسة على مسح سكاني مستقل، حيث قام موظفون ميدانيون، معظمهم من النساء ذوات الخبرة في إجراء الاستطلاعات، بإجراء مقابلات وجهاً لوجه مع فلسطينيين من ألفي أسرة موزعة على مختلف مناطق غزة. وطُلب من المشاركين في الاستبيان ذكر أسماء الأفراد الذين لقوا حتفهم من أسرهم المباشرة. وتم حساب تقديرات الوفيات كأرقام مرجحة، حيث يمثل كل فرد في العينة عدد الأشخاص الذين يمثلهم في قطاع غزة.

وأوضح مؤلفو الدراسة أن الثقة في نتائجهم المتعلقة بالوفيات المرتبطة بالعنف تصل إلى 95%، وهي قيمة إحصائية تشير إلى دقة جيدة للاستطلاع في التقاط البيانات. ويشير هذا إلى أن تقديرات الوفيات، والتي بلغت 75,200 حالة وفاة مرتبطة بالعنف، قد تكون أكثر قرباً للواقع المأساوي مقارنة بالإحصائيات الرسمية التي كانت معلنة آنذاك.

تأتي هذه الدراسة لتضيف بعداً جديداً للنقاش الدائر حول الأرقام الموثقة للضحايا في قطاع غزة. بينما تفيد الإحصائيات الإسرائيلية أن الهجوم الذي قادته حماس في 7 أكتوبر أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز 250 رهينة، تبقى أرقام الضحايا المدنيين في غزة محط تدقيق مستمر. وتعكس نتائج الدراسة الحاجة المستمرة لتقييم دقيق ومستقل للأثر الإنساني للصراعات، خاصة في ظل الظروف المعقدة التي تحيط بجمع البيانات في مناطق النزاع. من المتوقع أن تساهم هذه النتائج في النقاشات المستقبلية حول التحقيقات المحتملة حول جرائم الحرب والاحتياج الإنساني المتزايد في القطاع.

شاركها.