لقد كتبت في بداية الحرب عن التخوّف المشروع لدى البعض، وأنا منهم، من التدرّج التنازلي للأهداف وبالتالي من خياطة انتصارات على مقاس هذه الأهداف المتدرجة نزولاً، ومحاولة إقناع الناس بها، أو إلهائهم عمّا تم إعلانه سابقاً.

هذا التدرج تم بطريقة سلسة ومترافقة عكسياً مع التدرّج التصاعدي لأهداف الاحتلال من هذه الحرب وخلالها.
بمعنى أنه حين كان هدف الاحتلال المُعلن في بداية الحرب، أو في أيامها الأولى، هو استعادة المحتجزين لدى حماس والفصائل، كان الهدف المُعلن من هذه الفصائل عبر الناطقين باسمها في قطر وتركيا، هو تحرير فلسطين.
لكن هذا التحرير انتقل شيئاً فشيئاً إلى تكبيد العدو خسائر فادحة في حال قرر الدخول برياً إلى القطاع، ثم تغير هذا الهدف إلى إجبار الاحتلال وحكومته على التفاوض من أجل استرجاع أسراه، وأنّ لا عودة لهم إلا من خلال صفقة تقررها الفصائل، بعد ذلك صار الحديث يتكرر عن إمكانية إسقاط حكومة نتنياهو ومحاكمته دولياً ومحلياً، ثم انتقل الحديث إلى تشويه صورة إسرائيل، وهكذا إلى أن وصلنا إلى الهدف الذي يجمع عليه القريب والبعيد وهو إيقاف الحرب نفسها.
بالموازاة مع كل ذلك كان نتنياهو وحكومته يخططان بهدوء لأهداف بعيدة واستراتيجية، ويعملون عليها دون إعلانات صارخة وكلام تلفزيوني، بل بالعمل على الأرض وفوقها.
ففي حين بدأ بالإعلان عن هدف استعادة المختطفين وإنهاء حكم حماس، كانت الطائرات والدبابات تنهي غزة نفسها، وتقتلع الفلسطينيين من بيوتهم ومدنهم وتلقي بهم في الخيام أو في الشارع أو عبر الحدود، إلى أن وصل الوضع إلى تقسيم غزة إلى شرقية وغربية، والعمل الدؤوب مع الحليف الأميركي لإعادة هندسة القطاع برمته بما يحقق مصالح الدولتين، دون أي اعتبار لمصالح الناس ومستقبلهم على الأرض ودون أي انزعاج من أهداف وانتصارات قادتهم.
كل ذلك لم يحرّك النخب السياسية الفلسطينية للقيام بأي مبادرة توقف هذا العبث، أو تقلل من نتائجه الكارثية، بل على العكس تماماً، فقد انحازت هذه النخب إلى لعبة التراجع في الأهداف وتماهت مع المتلاعبين، وقامت بتبرير كل ما يحدث وكيفما يحدث، وتأطيره سياسياً وثقافياً، والتصفيق له، ووصفه تارة بالذكاء، وتارة بالصمود الاستراتيجي، وتارة بالحنكة التي قل نظيرها في التاريخ النضالي الفلسطيني، بل والعالمي.
صادف أن هذه النخب في غالبيتها (أستخدم هنا كلمة «صادف» للتهرب من تعداد أسباب كثيرة قد تأخذنا إلى تقسيمات من المفترض أننا ضدها)، المهم صادف أنها في غالبيتها من الضفة الغربية، بحيث أنك من النادر أن تجد «غزاوياً» قام بالدفاع عن هذه الحرب أو قدّم مرافعة حول انتصاراته فيها، والسبب كما أزعم دائماً، ليس لأن ابن غزة ضحية للحرب بينما ابن الضفة بعيد عنها وحسب، بل إضافة إلى ذلك يمكن القول إن ابن غزة خَبر سياسة حماس على مدار سبعة عشر عاماً من الحكم، وجرّب الحروب وأسبابها ونتائجها، وامتحن الحريات والمواطنة والإدارة والفساد وسطوة المسجد وروّاده، ما شكل عنده منظومة تفكير كاملة ومتماسكة تُنتج رأياً صائباً حول هذا الفصيل ومرجعياته وأهدافه.
إلى أين أوصلنا كل ذلك؟ إلى حالة من الفرز الغريب في تاريخ الشعوب، وفي تاريخ حركات التحرر، بحيث تتجلى هذه الحالة بشكلها الواضح بعد دخول قوات الاحتلال، قبل يومين، إلى مخيمات شمال الضفة من جديد. فما هي مؤشرات هذه الحالة وكيف يمكن وصفها، وكيف يمكن لدولة الاحتلال أن تستفيد منها؟
يمكننا رؤية هذا الفرز في آلاف المنشورات اليومية على صفحات التواصل الاجتماعي، بحيث يستنتج المتابع أن نصيب فلسطين من التعاطف قد حازت عليه غزة، بينما نصيب الانتصارات كان من حصة الضفة الغربية.
أعني أن العالم تعاطف مع غزة على مدار عامين من بطش آلة الحرب الإسرائيلية ويدها المنفلتة في التدمير والتهجير والقتل الجماعي، ولم يبقَ عند هذا العالم لا الجَلَد ولا الوقت للالتفات لما يحصل في الضفة من تهجير ناعم وقتل بالمفرق.
في المقابل فإن نخب الضفة، تم إشباع رغبتها بانتصارات «نوعية» معروضة على الشاشة، من قبيل تدمير دبابة ميركافاه، أو تنفيذ كمين بوحدة هندسية أو قتالية للجيش الغازي، وذلك بصرف النظر عن أسباب التعاطف العالمي الذي أشرنا إليه، أو بلغة أخرى: الثمن المدفوع الذي تسبب بهذا التعاطف، وبالتالي فهي لم تعد تلتفت لما يحدث من صمود صغير هنا، وإفشال مخطط تهجير هنا، ولا تعتبر ذلك يصب في خانة الانتصارات المقنعة.
ولأنه لا يصب في خانة الانتصارات المقنعة، فلا بد من البحث عمن يتسبب بهذا التقصير ودفعه للقتال أو تحميله المسؤولية عن الهزيمة.
أي أن الهزيمة، في نظر هذه النخب، لم تعد تشخيصاً للمحصلة النهائية لخسارة المعركة، بل هي متحققة سلفاً في عدم خوض المعركة من الأساس.
وتبعاً لذلك فالانتصار أيضاً ليس تحقيقاً للأهداف التي تم وضعها قبل المعركة، بل في القدرة على القتال مهما كانت النتائج.
وهنا بالضبط يمكن فهم التدرج التنازلي للأهداف الموضوعة، من القتال لتحرير فلسطين في البداية، وصولاً إلى المفاوضات حول مكعبات الخط الأصفر في وسط القطاع. لكن لأن الناس أداة القتال الأساسية فهم أول من يشعرون بنتائجه الحقيقية على جلودهم وفي بيوتهم، لذلك فإن أهل غزة يصفون ما هم فيه بلغة المسحوق، بينما تركوا التغني بالنصر لغيرهم.
هل استفادت إسرائيل من هذه الحالة؟ بالتأكيد. فهي رفعت سقف الإجرام إلى مستوى حرب إبادية، وبالتالي فمنسوب التضامن العالمي مع الحقوق الفلسطينية ارتفع إلى أقصى مستوياته، لكنه في الطريق تحوّل شيئاً فشيئاً إلى تعاطف مع الضحية وكراهية للجلاد ونبذه، والضحية هنا هي غزة كمأساة إنسانية وليست فلسطين كمشروع سياسي.
وفي حال انتهت المأساة في غزة، أو اتخذت شكلاً آخر لا تلعب فيه آلة القتل الإسرائيلية دوراً مباشراً، فهي تراهن على تعايش العالم مع التنكيل اليومي والانتهاكات المتكررة في الضفة.
وهي هنا تضع الفلسطينيين في الضفة أمام مأزق حقيقي، فهم متروكون من العالم ومُستفرد بهم بما لا يغضبه ويثير تعاطفه، لذلك فهم أمام خيارين: إما محاكاة نموذج غزة أو الشعور النفسي بالهزيمة النهائية.
وهذا بالضبط هو دور النخب أو القيادة أو أي شخص يعنيه مستقبل شعبه: أن يكسر هذه المعادلة المقيتة والثنائية المحزنة.

شاركها.