شهدت عوائد الشهادات البنكية في مصر تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، مما دفع العديد من المدخرين إلى البحث عن بدائل استثمارية للحفاظ على قيمة أموالهم. يأتي هذا التراجع في ظل سياسة اتخذها البنك المركزي المصري لخفض أسعار الفائدة بهدف مكافحة التضخم وتحفيز الاقتصاد، لكنه أثار تساؤلات حول تأثير ذلك على خطط الادخار لدى المصريين.
محمد نبيل، محاسب في الأربعينيات من عمره، هو أحد الذين قرروا تغيير استراتيجياتهم الادخارية. بعد سنوات من الاعتماد على الشهادات البنكية، توجه نحو الاستثمار في الفضة، معتقداً أنها توفر فرصة صعود أفضل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. هذا التحول يعكس حالة من عدم اليقين والقلق بين المدخرين المصريين بشأن مستقبل عوائدهم.
تأثير تراجع عوائد الشهادات البنكية على المدخرين المصريين
خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة خمس مرات خلال عام 2023، ليصل إجمالي التخفيض إلى 7.25%، مما أدى إلى انخفاض عوائد الشهادات البنكية إلى حوالي 20%. يأتي هذا التخفيض في وقت لا يزال فيه الجنيه المصري يعاني من تقلبات، على الرغم من بعض الارتفاعات النسبية الأخيرة. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التراجع يمثل اختباراً حاسماً للقطاع المصرفي المصري.
يتوقع الباحث الاقتصادي محمود جمال سعيد تدفق سيولة تتجاوز 1.3 تريليون جنيه إلى أيدي المودعين مع صرف مستحقات الشهادات ذات العائد المرتفع (27% و 23.5%) خلال الربع الأول من عام 2024. وأضاف أن هذا التدفق المالي يتزامن مع تحول في سياسة البنك المركزي نحو التيسير النقدي، مما يعزز خيارات المستثمرين في البحث عن بدائل أخرى.
البدائل الاستثمارية المتاحة
مع تراجع عوائد الشهادات، يتجه المصريون إلى مجموعة متنوعة من البدائل الاستثمارية. الذهب والفضة يمثلان ملاذاً آمناً تقليدياً، خاصة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي. كما يشهد سوق العقارات نمواً مستمراً، حيث حقق المطورون العقاريون مبيعات قياسية بلغت 651 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2023، بزيادة قدرها 47% مقارنة بالعام السابق، وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة “موردور إنتليجنس”.
بالإضافة إلى ذلك، تكتسب أذون الخزانة شعبية متزايدة بين المدخرين، حيث توفر عوائد جيدة نسبياً وسيولة يومية. كما أن الصناديق الاستثمارية تقدم خياراً مرناً للاستثمار في مجموعة متنوعة من الأصول، مما يقلل من المخاطر. يقول أحمد رمضان، وهو متقاعد، إنه يفضل أذون الخزانة للحفاظ على قيمة مدخراته، بعد أن فاتته فرصة الاستثمار في الشهادات ذات العائد المرتفع.
ويرى البعض أن سوق الأسهم يمثل فرصة استثمارية واعدة في ظل انخفاض أسعار الفائدة. مع انخفاض تكلفة الاقتراض للشركات، من المتوقع أن يشهد سوق الأسهم نمواً ملحوظاً، خاصة في قطاعات مثل البنوك والعقارات والأسمدة. ويتوقع محمود جمال سعيد تدفق ما بين 40 و 50 مليار جنيه إلى البورصة المصرية من سيولة الشهادات المنتهية.
تأثير إيجابي محتمل على الاقتصاد
على الرغم من قلق المدخرين، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن انخفاض أسعار الفائدة له تأثير إيجابي على الاقتصاد بشكل عام. ويوضح أن هذا الانخفاض يعكس تراجع التضخم، مما يزيد من القوة الشرائية لعوائد الشهادات. كما أنه يحفز حركة السوق ويزيد من التمويل المتاح للمشاريع، مما يعزز النمو الاقتصادي.
ويشير الشافعي إلى أن المدخرين الذين يحتاجون إلى دخل شهري ثابت سيستمرون في الاعتماد على الشهادات البنكية، بينما قد يفضل أولئك الذين لديهم أهداف ادخارية طويلة الأجل الاستثمار في الذهب أو العقارات أو الصناديق الاستثمارية. ويؤكد أن اختيار البديل الاستثماري المناسب يعتمد على تفضيلات وأهداف كل فرد.
في تصريحات له، أكد الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، أن المودعين حالياً سيحققون “أعلى عائد حقيقي” منذ سنوات، مع الأخذ في الاعتبار انخفاض معدل التضخم.
من المتوقع أن يستمر البنك المركزي المصري في مراقبة تطورات التضخم وأسعار الفائدة، وقد يتخذ المزيد من الإجراءات في المستقبل القريب. سيراقب المستثمرون عن كثب قرارات البنك المركزي وتأثيرها على الأسواق المالية والاقتصاد بشكل عام. كما أنهم سيتابعون تطورات أسعار الذهب والفضة والعقارات، وتقييم المخاطر والفرص الاستثمارية المتاحة.
