ينشر هذا المقال نصاً مطولاً من حوار نادر أجراه رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، مع مقربين من بيئة حزب الله عام 1997. يتناول الحوار، الذي يكتسب أهمية بالغة في سياق التطورات الإقليمية، وضع الشيعة في بلدانهم وضرورة اندماجهم فيها، بدلاً من الانتماء إلى مشروع تابع لإيران. وقد تم تهميش الشيخ شمس الدين من قبل مؤيدي حزب الله وحركة أمل على مدى سنوات بسبب مواقفه المعارضة.

من المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، النص الكامل للحوار في كتاب بعنوان: “الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب – العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات”. تنشر “الشرق الأوسط” مقتطفات مطولة من النص بمناسبة مرور 25 عاماً على وفاة الشيخ شمس الدين.

إبراهيم شمس الدين: دوافع النشر بعد سنوات

أوضح إبراهيم شمس الدين في مقدمة للنص سبب الكشف عن مضمون الحوار بعد هذه المدة الطويلة. وأشار إلى أن النشر يهدف إلى تكريم والده وإحياء فكره، وتذكير الناس ببصيرته وشجاعته في بيان الرأي الحق الذي يحفظ الناس والوطن، ويضع وحدة المجتمع السياسي الوطني في مقدمة الأولويات. وأكد أن هذا ينطبق على اللبنانيين المسلمين الشيعة، وعلى المسلمين الشيعة في أوطانهم العربية، فهم جزء من الاجتماع الوطني والعربي والإسلامي العام.

وأشار إلى أن النص هو خلاصة جلسة حوار استغرقت أكثر من أربع ساعات بين الشيخ شمس الدين وكوادر من “الحركة الإسلامية” في لبنان، وهي حركة نشأت في الثمانينات برعاية إيرانية مباشرة. وأضاف أن الدافع الرئيسي للنشر هو معالجة قضايا إشكالية ساخنة تتعلق بعلاقة الشيعة اللبنانيين مع مواطنيهم، ومحيطهم العربي والإسلامي، وخاصة علاقتهم بإيران.

أهمية النص في السياق الراهن

وأكد إبراهيم شمس الدين أن هذه القضايا لا تزال قائمة حتى اليوم، وتتفاعل بقوة مع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة والعالم. وأشار إلى أن النص ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل هو كلام راهن يخاطب حاضراً ساخناً ومترقباً. وسيصدر الكتاب كاملاً بعد فترة قصيرة، مع توسعة لخلاصته.

الشيعة اللبنانيون والعلاقة مع إيران

بدأ نص الحوار بسؤال حول موقع الشيخ شمس الدين، وهل يعبر عن ضرورات الدولة أم خيارات الشعب. أجاب الشيخ شمس الدين بأنه لم يتغير موقفه قيد أنملة، بل ازداد عمقاً ونضجاً. وأكد أنه لم يبتعد عن موقفه السابق، وأن ما يبدو للبعض ابتعاداً هو نتيجة حواجز وضعت من قبل بعض المعممين والمؤيدين لإيران.

وأشار إلى أنه تعرض للتهميش بسبب مواقفه المعارضة، وأنه اضطر إلى مغادرة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت بسبب ذلك. وأوضح أن هناك نظام مصالح اقتصادي وسياسي بُني على هذا التهميش، وأن هذا النظام يغذيه البعض حتى اليوم.

وشدد الشيخ شمس الدين على أن الشيعة جزء من المجتمع الوطني العربي، وأنهم يجب أن يندمجوا في أوطانهم، بدلاً من أن يكونوا جزءاً من مشروع تابع لإيران. وأكد أن هذا الأمر يتعلق بضرورات الدولة وخيارات الشعب، وأن وحدة المجتمع السياسي الوطني يجب أن تكون الأولوية القصوى.

مواقف الشيخ شمس الدين من القضايا الإقليمية

وتطرق الحوار إلى زيارة الشيخ شمس الدين لمصر، وعلاقته بالأنظمة العربية. وأشار إلى أن زيارته لمصر جاءت بعد دعوات متكررة، وأنها كانت فرصة لعلاج بعض المشاكل التي ظهرت قبل الزيارة، مثل قضية اعتقال بعض الشيعة في مصر. وأكد أنه عالج هذه المشكلة بالتعاون مع الرئيس مبارك وشيخ الأزهر.

وأوضح أن اهتمامه بمصر يتعلق بقضايا مشتركة، مثل التقريب بين المذاهب، وتأصيل خط الإمامية داخل كليات الشريعة في الأزهر. وأشار إلى أن لديه تصوراً جديداً لقضية التقريب بين المذاهب، وأنه سيقدمه في المستقبل.

الاندماج في المجتمعات الوطنية

وأكد الشيخ شمس الدين على أهمية اندماج الشيعة في مجتمعاتهم الوطنية، وأن يكونوا مقبولين لذاتهم، بدلاً من أن يكونوا ممثلين لمحمية لدولة أخرى. وأشار إلى أن العقدة النفسية الموجودة عند الشيعة بأنهم منبوذون هي نتيجة شعورهم بأنهم ضد العالم، وأنهم يجب أن يغيروا هذا الشعور.

وشدد على أن رسالته هي جعل الشيعة مقبولين داخل مجتمعاتهم وداخل الأمة، وأن يكونوا مقبولين لذاتهم، لا لأنهم يمثلون دولة أخرى. وأكد أن هذا الأمر يتطلب احترام القوانين والاندماج في الأنظمة الوطنية.

من المتوقع صدور الكتاب الكامل في غضون الأشهر القليلة القادمة، مما سيوفر المزيد من التفاصيل حول هذا الحوار الهام. وسيكون الكتاب مصدراً قيماً للباحثين والمهتمين بالشأن الشيعي والعلاقات الإقليمية. ويراقب المراقبون تأثير هذا الكشف على المشهد السياسي في لبنان والمنطقة، وما إذا كان سيؤدي إلى إعادة تقييم للعلاقات بين الشيعة وإيران.

شاركها.