أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بتكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الليبية. يعكس هذا التعيين الانقسامات العميقة حول مسار المصالحة في ليبيا، خاصةً في ظل الأزمة السياسية المستمرة التي تشهدها البلاد. القرار أثار تساؤلات حول دوافعه وتوقيته، وخلفية الصلابي الفكرية والسياسية، وتأثير ذلك على فرص تحقيق السلام والاستقرار.
جاء هذا التكليف في وقت تشهد فيه ليبيا حالة من الجمود السياسي، وتصاعد التوترات بين مختلف الأطراف الفاعلة. الصلابي، شخصية بارزة في التيار الإسلامي، كان اسمه مدرجاً على قوائم الإرهاب في عدة دول عربية، مما زاد من تعقيد المشهد وأثار انتقادات واسعة النطاق. القرار أثار أيضاً تساؤلات حول صلاحيات المجلس الرئاسي في إجراء مثل هذه التعيينات خلال المرحلة الانتقالية الحالية.
خلفية القرار وانتقاداته
الجدل المحيط بتعيين الصلابي يعود إلى خلفيته الفكرية والسياسية وارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين. يعتبره البعض شخصية مثيرة للجدل، بينما يرى فيه آخرون وسيطاً محتملاً يمكنه التواصل مع مختلف الأطراف المتنازعة. انتقد خصوم القرار بشدة، واعتبروه بمثابة استفزاز وتجاهل للجهود السابقة المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية.
وصف مراقبون الخطوة بأنها “أحادية الجانب” وغير مدروسة، محذرين من تداعياتها على العلاقة المتوترة بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب. كما أثار التعيين انتقادات من أعيان مدن غرب ليبيا، الذين طالبوا المنفي بالتراجع عن القرار، معتبرين أنه سيقوض جهود المصالحة ويزيد من حدة الانقسام. وتساءل العديد من النشطاء عن جدوى تكليف شخصية مقيمة خارج ليبيا بإدارة ملف مصالحة داخلي معقد.
توقيت القرار وأبعاده المحتملة
تزامن قرار التعيين مع تصنيف إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لجماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، مما أضاف بعداً إضافياً للجدل. يرى بعض المحللين أن هذا التعيين قد يكون محاولة لدمج شخصيات خاضعة لعقوبات في هياكل رسمية، مما يسهل تحركاتها ويمنحها غطاءً قانونياً. بينما يرى آخرون أنه خطوة تهدف إلى إعطاء دفعة جديدة لعملية المصالحة، والاستفادة من علاقات الصلابي الواسعة في المشهد الديني والاجتماعي الليبي.
الكاتب الصحفي الليبي عيسى عبد القيوم أكد على أن نجاح أي مشروع للمصالحة يتطلب شخصيات محايدة ومقبولة من جميع الأطراف، معتبراً أن اختيار الصلابي يفتقر إلى هذا الشرط. وأشار إلى أن الصلابي يعتبر طرفاً في النزاع وخصماً لتيارات عديدة، مما قد يزيد من تعثر مسار المصالحة.
الصلابي ودوره السابق في ليبيا
يعود حضور علي الصلابي في المشهد الليبي إلى عقود مضت، حيث ولد في بنغازي عام 1963 واعتقل خلال فترة حكم معمر القذافي. بعد الإفراج عنه، لعب دوراً بارزاً في مبادرة “المراجعات الفكرية” التي أطلقها سيف الإسلام القذافي، والتي أدت إلى إطلاق سراح مئات السجناء من الجماعة الإسلامية المقاتلة. هذا الدور أكسبه حضوراً سياسياً واسعاً، ولكنه أثار أيضاً انتقادات من بعض الأطراف.
مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، دعم الصلابي الحراك الشعبي ضد نظام القذافي، قبل أن ينصرف في السنوات الأخيرة إلى نشاط دعوي عبر منصاته الرقمية. ظل الصلابي شخصية مؤثرة في المشهد الديني والاجتماعي الليبي، على الرغم من ابتعاده عن العمل السياسي المباشر.
الميثاق الوطني للمصالحة والمرحلة القادمة
يأتي تعيين الصلابي بعد إطلاق رئيس المجلس الرئاسي “الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية” وتأسيس “المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية”. تهدف هذه المبادرات إلى إيجاد إطار مرجعي لمعالجة آثار الصراع وإعادة بناء الثقة بين الليبيين. ومع ذلك، يواجه مسار المصالحة الوطنية تحديات كبيرة، بما في ذلك استمرار الانقسام السياسي وتراجع نتائج المؤتمرات واللقاءات التحضيرية السابقة.
من المتوقع أن يشكل المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية، برئاسة الصلابي، فريق عمل لتحديد الأولويات ووضع خطة عمل مفصلة لتنفيذ الميثاق الوطني. وسيواجه الفريق تحديات كبيرة في التوصل إلى توافق بين مختلف الأطراف المتنازعة، وكسب ثقة الشارع الليبي. يبقى مستقبل عملية المصالحة في ليبيا غير واضح، ويتوقف على قدرة الأطراف الفاعلة على تجاوز خلافاتها والعمل بروح الفريق الواحد.
الخطوة التالية ستكون تشكيل المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية بشكل كامل، وتحديد المهام والمسؤوليات المحددة لكل عضو. من المهم مراقبة ردود الفعل من مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية، وتقييم مدى استعدادهم للتعاون مع المجلس الجديد. كما يجب متابعة تطورات الوضع الأمني والسياسي في ليبيا، وتأثيرها على فرص تحقيق المصالحة الوطنية.
