في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي في لبنان، كلّفت الحكومة وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط بالإشراف على بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت. يأتي هذا القرار في ظل حاجة ملحة لتعزيز قدرات التخزين بعد الفراغ الاستراتيجي الذي سببه انفجار المرفأ عام 2020، مع الأخذ في الاعتبار حساسية الموضوع لدى أهالي الضحايا الذين يطالبون بتحقيق العدالة أولاً.
ويأتي هذا التطور بالتوازي مع قرار حكومي سابق بتأجيل هدم ما تبقى من الإهراءات القديمة، وتحويلها إلى معلم سياحي يخلد ذكرى الانفجار. وقد سبق هذا القرار إدراج الإهراءات على قائمة الأبنية التاريخية، مما يمنحها حماية إضافية ويوقف أي إجراءات هدم محتملة.
إهراءات مرفأ بيروت: خطة حكومية متكاملة للأمن الغذائي والذاكرة
أكد وزير الاقتصاد عامر البساط أن تأمين القمح يعتبر أولوية قصوى للأمن الغذائي اللبناني، ولا يمكن تأجيله في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلاد. وأشار إلى أن غياب مرافق تخزين القمح المناسبة بعد الانفجار أدى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظمة، مما يزيد من المخاطر على الإمدادات الغذائية.
وفقًا لتصريحات الوزير، يستهلك لبنان سنويًا أكثر من 600 ألف طن من القمح، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 50 ألف طن. هذا يعني أن البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 بالمائة على استيراد القمح، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وأي اضطرابات في سلاسل الإمداد.
خطة بناء الإهراءات الجديدة
تتضمن الخطة الحكومية بناء إهراءات قمح جديدة في موقع منفصل عن الإهراءات القديمة، مع العمل على تحويل الأخيرة إلى معلم سياحي وتذكاري. وتهدف الخطة إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن.
سيتم توزيع قدرة التخزين الجديدة بين بيروت (235 ألف طن) والبقاع وطرابلس، مما يساهم في توزيع المخاطر وتعزيز الأمن الغذائي على مستوى البلاد. وتأتي هذه الخطوة بعد تقييم شامل للاحتياجات اللوجستية والتخزينية للقمح في لبنان.
التمويل والتحديات
تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع حوالي 250 مليون دولار، منها 125 مليون دولار مخصصة لإهراءات بيروت. وقد حصلت الحكومة على وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، وتعمل على تأمين تمويل إضافي من دول عربية أخرى.
بالإضافة إلى التحديات المالية، تواجه الخطة بعض العقبات الفنية والبيئية. فإهراءات بيروت القديمة تحتوي على حوالي 40 ألف طن من القمح المتضرر، مما يتطلب معالجة خاصة للتخلص منه بطريقة آمنة وصديقة للبيئة. كما أن هناك مخاوف بشأن سلامة المبنى القديم وإمكانية انهياره، على الرغم من وجود تقارير هندسية أولية تؤكد متانته.
الإهراءات القديمة: بين الحفاظ على الذاكرة والمخاطر الهيكلية
تؤكد الحكومة على أهمية التعامل مع الإهراءات القديمة بحساسية، نظرًا لارتباطها الوثيق بذاكرة انفجار المرفأ. ويجري حاليًا دراسة إمكانية تحويلها إلى معلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية ناجحة مثل جدار برلين، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار يتطلب استثمارات كبيرة ومعالجة للمخاطر البيئية والهيكلية. وقد تم تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المعلم السياحي.
تخزين الحبوب في لبنان يمثل تحديًا كبيرًا، ويتطلب حلولًا مبتكرة ومستدامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية التحتية للموانئ تحتاج إلى تحديث وتطوير لضمان كفاءة عمليات الاستيراد والتصدير.
من المتوقع أن يتم وضع حجر الأساس للإهراءات الجديدة في بيروت خلال الأشهر القادمة، في حال سارت الأمور وفقًا للمخطط. ومع ذلك، فإن نجاح المشروع يعتمد على تأمين التمويل اللازم، وحل التحديات الفنية والبيئية، وإشراك أهالي الضحايا في عملية صنع القرار. وسيبقى الوضع القضائي المتعلق بانفجار المرفأ عاملاً مؤثرًا في تحديد مسار هذه الخطة.
