على مدار أكثر من عقد من الزمان، ظلّت قضية سد النهضة الإثيوبي محوراً للتوتر والجدل بين مصر والسودان وإثيوبيا. أثار المشروع، الذي بدأته أديس أبابا في عام 2011 على النيل الأزرق، مخاوف جدية في القاهرة والخرطوم بشأن حصصهما المائية وأمنهما المائي. تخلل هذه الفترة محاولات دبلوماسية مكثفة وجولات تفاوض متعددة، لم تثمر حتى الآن عن اتفاق نهائي وملزم بشأن ملء وتشغيل السد.
بدأت الأزمة بتصريح إثيوبيا عن عزمها بناء السد، مما أثار ردود فعل قوية في مصر والسودان. تخشى الدولتان من أن يؤدي السد إلى تقليل تدفق المياه إلى حوض النيل، خاصة خلال فترات الجفاف، مما قد يؤثر سلباً على الزراعة والصناعة وشرب المياه. وقد سعت الأطراف الثلاث إلى إيجاد حلول من خلال الحوار والتفاوض، بدعم من جهود دولية وإقليمية.
تاريخ مفاوضات سد النهضة الإثيوبي: المراحل الرئيسية
شهدت المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي عدة مراحل، بدأت بتشكيل لجنة دولية لدراسة الأثر البيئي والمائي للمشروع. في سبتمبر 2011، اتفق رئيسا وزراء مصر وإثيوبيا على هذه الخطوة، بهدف تقييم المخاطر المحتملة ووضع آليات للتعاون.
تشكيل اللجان والدراسات الفنية
في مايو 2012، بدأت اللجنة أعمالها، وتضم خبراء من الدول الثلاث بالإضافة إلى خبراء دوليين. ركزت اللجنة على فحص الدراسات الهندسية الإثيوبية وتقييم تأثير السد على مصر والسودان. ومع ذلك، توقفت المفاوضات في مايو 2013 بعد خلاف حول تشكيل لجنة فنية، حيث أصرت مصر على مشاركة خبراء أجانب.
لاحقاً، في يونيو 2014، تم استئناف المفاوضات بعد لقاء بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين. وفي سبتمبر 2014، اتفقت اللجنة الفنية على اختيار مكتبين استشاريين لإجراء الدراسات المطلوبة.
إعلان المبادئ والجهود الدبلوماسية
في مارس 2015، وقّعت الدول الثلاث “إعلان المبادئ”، الذي نص على إعداد الدراسات الفنية اللازمة خلال 11 شهراً، وتعهد إثيوبيا بعدم الإضرار بدولتي المصب. وقد تبع ذلك توقيع “وثيقة الخرطوم” في ديسمبر 2015، لتأكيد إعلان المبادئ وتكليف المكتبين الاستشاريين بتنفيذ الدراسات.
شهدت السنوات التالية جهوداً دبلوماسية مكثفة، بما في ذلك الاجتماعات التساعية لوزراء الخارجية والمياه ورؤساء أجهزة المخابرات، والتي بدأت في أبريل 2018. ومع ذلك، لم تثمر هذه الاجتماعات عن اتفاق نهائي.
التدخلات الدولية وتصاعد التوتر
في فبراير 2019، استأنفت الدول الثلاث التفاوض، لكنه تعثر في سبتمبر 2019. وفي نوفمبر 2019، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط، واستضافت عدة اجتماعات في واشنطن. وقد تم التوصل إلى توافق مبدئي في يناير 2020، لكنه لم يكتمل.
في يونيو 2020، تقدمت مصر بطلب إلى مجلس الأمن الدولي للتدخل، بينما أعلن الاتحاد الأفريقي عن رعايته للمفاوضات. لكن مفاوضات الاتحاد الأفريقي، التي عُقدت في أبريل 2021، فشلت بسبب إصرار إثيوبيا على تنفيذ عملية الملء الثاني للخزان.
عقد مجلس الأمن الدولي جلسة لبحث الأزمة في يوليو 2021، وأصدر بياناً رئاسياً في سبتمبر 2021، يحث الدول الثلاث على استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق ملزم.
آخر التطورات ومستقبل المفاوضات
في يوليو 2023، اتفق الرئيس المصري مع رئيس الوزراء الإثيوبي على استئناف التفاوض للانتهاء من الاتفاق بشأن ملء وتشغيل السد، على أن تنتهي المفاوضات خلال 4 أشهر. ومع ذلك، أعلنت الحكومة المصرية في ديسمبر 2023 توقف مسار المفاوضات بسبب استمرار أديس أبابا في نهجها الحالي.
تظل قضية سد النهضة معلقة، وتعتمد آفاق الحل على استئناف الحوار الجاد والالتزام بالتعاون بين الدول الثلاث. تعتبر قضية المياه من القضايا الحيوية في المنطقة، وتتطلب إدارة مستدامة وعادلة لضمان الأمن المائي لجميع الأطراف.
في الوقت الحالي، لا توجد مؤشرات واضحة على موعد استئناف المفاوضات أو التوصل إلى اتفاق. من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية للضغط على الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات. يجب مراقبة التطورات على الأرض، وخاصة عمليات الملء المستقبلية للخزان، وتقييم تأثيرها على تدفق المياه إلى دولتي المصب. كما أن مستقبل التعاون الإقليمي في مجال إدارة الموارد المائية سيكون حاسماً في حل هذه الأزمة المستمرة.
