تشهد الساحة الليبية سباقاً دبلوماسياً أوروبياً محمومًا، تزامنًا مع تزايد تداول مبادرة أميركية تهدف إلى إعادة هيكلة السلطة في البلاد. تأتي هذه التحركات في ظل استمرار الانقسام السياسي العميق، وصراع المؤسسات بين شرق ليبيا وغربها، مما يضع ضغوطًا إضافية على الجهود المبذولة لحلحلة الأزمة الليبية.

ففي الأيام الأخيرة، كثف سفراء الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وبريطانيا من زياراتهم المتزامنة إلى بنغازي وطرابلس. اعتبر مراقبون هذه الخطوات محاولة أوروبية لـ”جس نبض” الأطراف المحلية، قبيل أي تسويات سياسية قد ترعاها واشنطن، وفي إطار سعي أوروبي أوسع لإيجاد حل للأزمة المستمرة.

سباق دبلوماسي أوروبي لحلحلة الأزمة الليبية

يرى الدبلوماسي الليبي السابق إبراهيم قرادة، مدير «المعهد الدولي للبحوث والدراسات الليبية»، أن التحركات الأوروبية الأخيرة قد تعكس رغبة في استكشاف فرص التوصل إلى تسوية محتملة بين معسكري قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة. يأتي هذا التقييم في ضوء المبادرة المتداولة المنسوبة إلى المستشار الأميركي مسعد بولس.

تتمحور المبادرة الأميركية المتداولة حول صيغة لتقاسم السلطة، حيث تقترح تعيين صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئيسًا للمجلس الرئاسي، مقابل احتفاظ الدبيبة بمنصبه كرئيس للحكومة. يعتبر التحليل أن هذه المبادرة تمثل نقطة ارتكاز قد تؤثر على مسار التفاوض.

يشير قرادة إلى أن مهمة الدبلوماسيين الأوروبيين لا تقتصر على نقل الرسائل من عواصم بلادهم، بل تشمل أيضًا استكشاف مواقف الأطراف الليبية الرافضة والمترقبة للمبادرة الأميركية. كما يشدد على أهمية متابعة تحركات الدبلوماسيين والمبعوثين الأوروبيين في دول الجوار، وتركيا، نظرًا لما قد تحمله من تفاعلات مهمة تتقاطع مع التطورات الأخيرة في الملف الليبي.

ترى أوروبا، وفقًا لقرادة، أن ملف ليبيا يرتبط بملفات حساسة للقارة الأوروبية، مثل الهجرة غير النظامية، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة. ولهذا، تحرص العواصم الأوروبية على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف الليبية، بما في ذلك القيادة في الشرق والغرب.

جولة دبلوماسية أوروبية مكثفة

خلال زيارته إلى شرق ليبيا، ناقش سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو مع المشير حفتر ونجليه، خالد حفتر رئيس الأركان، وبلقاسم حفتر رئيس «جهاز تنمية وإعمار ليبيا»، سبل مساهمة الاتحاد الأوروبي في دعم جهود المبعوثة الأممية هانا تيتيه للدفع نحو إجراء الانتخابات الوطنية وتعزيز الوحدة. وأضاف أورلاندو أن هذه المباحثات شملت أيضًا ملفات مكافحة الهجرة غير النظامية، والتهريب، والجريمة المنظمة، بالإضافة إلى تعزيز إدارة الحدود والتنمية المحلية.

أما في طرابلس، فقد حملت لقاءات أورلاندو طابعًا مختلفًا، حيث بحث مع وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، آخر تطورات مسار توحيد الإطار المالي. كما تطرق إلى الدعم الأوروبي المحتمل لمناورات «فلينتلوك 2026»، التي رعتها الولايات المتحدة الشهر الماضي.

من منظور المحلل السياسي الليبي ناصر أبو ديب، فإن الزيارات الأوروبية المتواترة تعكس رغبة واضحة لدى العواصم الأوروبية في البقاء طرفًا فاعلًا في الملف الليبي، وعدم ترك المجال للولايات المتحدة، وتحديدًا لمسعد بولس، للانفراد برسم الترتيبات السياسية داخل البلاد. ويؤكد أبو ديب أن أوروبا تعتبر نفسها شريكًا رئيسيًا في مختلف المحطات السياسية الليبية.

ويضيف أبو ديب أن التحركات الحالية ترتبط أيضًا بتشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية داخل ليبيا، خصوصًا في قطاعات النفط والبنية التحتية. كما يبرز الأهمية الجيوسياسية للبلاد كبوابة جنوبية لأوروبا ونقطة ارتكاز مؤثرة في العمق الأفريقي. وفي حين استبعد أبو ديب طرح الاتحاد الأوروبي مبادرة سياسية مستقلة حاليًا، إلا أنه يرى أن الدول الأوروبية تسعى لضمان حضورها في أي ترتيبات مستقبلية.

لم تقتصر التحركات الأوروبية على بعثة الاتحاد الأوروبي، فقد أجرى السفير الفرنسي تييري فالا لقاءات في بنغازي مع المشير حفتر ونجله خالد، مؤكدًا دعم باريس لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها. وطرحت اللقاءات أيضًا سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني.

في المقابل، التقى السفير البريطاني مارتن رينولدز رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، مؤكدًا أهمية تعاون جميع الأطراف الليبية للتوصل إلى «حل مستدام وشامل».

مقاربة واقعية أوروبية للمشهد الليبي

يعتقد المحلل السياسي صلاح العبار أن المواقف الأوروبية، رغم تباينها أحيانًا بين باريس وروما ولندن، تلتقي عند أولوية أساسية تتمثل في منع انزلاق ليبيا مجددًا إلى الفوضى. ويشير العبار إلى أن التعاطي الأوروبي مع القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر يبدو ضرورة تفرضها معادلات الواقع.

يوضح العبار أن العواصم الأوروبية بدأت تميل إلى مقاربة أكثر واقعية للمشهد الليبي، بعدما أثبتت السنوات الماضية أن أي مسار سياسي أو حديث عن الانتخابات لا يستند إلى قاعدة أمنية مستقرة يظل عرضة للتعثر. وتنعكس هذه النظرة في إدراك متزايد بأن معادلة الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن تقوم على ترتيبات سياسية شكلية فقط، بل على توازنات القوة الفعلية على الأرض.

تتركز الأولوية الأوروبية حاليًا على تثبيت الاستقرار كمدخل لأي عملية سياسية أو انتخابية مستقبلية. وتأتي هذه التحركات في وقت لا يزال فيه مسار المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات متعثرًا، مما يضع عبئًا إضافيًا على جهود حل الأزمة الليبية.

شاركها.