أثار التصريح الأخير للسياسي الأمريكي مايك هاكابي، الذي مجّد فيه مفهوم “إسرائيل الكبرى” ودعا إلى توسيع نفوذها، موجة غضب واسعة النطاق في الأوساط العربية، حيث اعتبره الكثيرون خطابًا استعماريًا يفتقر إلى الاحترام للسيادة الوطنية والقانون الدولي. يأتي هذا التصريح في وقت حساس تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، مما يزيد من خطورة تبعاته.
شنّ مسؤولون عرب، ومحللون سياسيون، ومنظمات مجتمع مدني، حملة انتقادات شديدة ضد تصريحات هاكابي، معتبرين أنها تعكس عقلية استعمارية قديمة تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم مصالح معينة، متجاهلةً حقوق الشعوب وتطلعاتها. هذه التصريحات تأتي بعد فترة وجيزة من مؤتمر دولي ناقش قضايا الشرق الأوسط.
تداعيات “خطاب استعماري” جديد ضد إسرائيل الكبرى
صُنّفت تصريحات مايك هاكابي، الحاكم السابق لولاية أركنساس، على أنها “خطاب استعماري” بامتياز. فقد دعا هاكابي صراحةً إلى رؤية “إسرائيل الكبرى”، وهو مفهوم تاريخي يعكس طموحات توسعية تتجاوز الحدود المعترف بها دوليًا. هذه الدعوة لاقت استنكارًا حادًا من العديد من الدول العربية والمنظمات الدولية التي تشدد على ضرورة احترام مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
تجد هذه الدعوات جذورها في أيديولوجيات استيطانية قديمة، وترى فيها الجامعة العربية تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليميين. وتعكس التصريحات، وفقًا لبيانات صادرة عن الخارجية المصرية، تجاهلاً صارخًا للقرارات الأممية والقانون الدولي الذي يؤكد على حدود الدول المعترف بها، ويحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ردود الفعل العربية الرسمية والشعبية
اتسمت الردود الرسمية العربية بالحزم وإدانة التصريحات. فقد أصدرت وزارة الخارجية الأردنية بيانًا استنكرت فيه بشدة ما وصفته بـ “تجاوزات خطيرة” و”دعوات صريحة لاستمرار الاحتلال وتوسيع النفوذ”، مؤكدةً أن مثل هذه الخطابات لا تخدم إلا أجندات متطرفة وتقوض أي جهود نحو تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة.
على المستوى الشعبي، انتشرت ردود الفعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر النشطاء العرب عن غضبهم الشديد، مستخدمين هاشتاجات تدين “العقلية الاستعمارية” وتطالب بمحاسبة من يدعمون مثل هذه الأفكار. ورأى العديدون أن هذه التصريحات تعكس ازدواجية المعايير الغربية، وتجاهلًا متعمدًا لمعاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
تاريخ المفهوم وتأثيره على المنطقة
إن مفهوم “إسرائيل الكبرى” ليس جديدًا، بل يعود إلى بدايات الحركة الصهيونية، ويشير إلى رؤية توسعية تستند إلى تفسيرات دينية وتاريخية معينة، وتسعى إلى دولة تمتد على مناطق أوسع من الجغرافية الحالية لدولة إسرائيل، بما في ذلك أجزاء من الأردن، وسوريا، ولبنان، وشبه جزيرة سيناء المصرية. وقد اعتبرت هذه الرؤية دائمًا محفزًا للقلاقل والصراعات في المنطقة.
يُشار إلى أن هذه الأفكار، وإن كانت دائمًا مطروحة في دوائر يمينية متشددة، إلا أن ظهورها على الساحة السياسية الأمريكية، وخاصة من شخصيات لها وزنها، يثير قلقًا متزايدًا بشأن احتمال تأثيرها على السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وعلاقاتها مع دول المنطقة. وقد أكدت شخصيات فلسطينية أن هذه التصريحات تثبت أن هناك جهودًا مستمرة لتقويض حل الدولتين.
الخلفية التاريخية والسياسية
إن الخلفية التاريخية لمفهوم “إسرائيل الكبرى” ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفترة ما قبل قيام دولة إسرائيل، حيث كانت هناك رؤى مختلفة حول امتداد الدولة اليهودية المستقبلية. وبعد حرب عام 1967، توسعت سيطرة إسرائيل على أراضٍ فلسطينية وعربية، مما عزز المخاوف بشأن طموحات توسعية قديمة. وتؤكد العديد من الدراسات التاريخية أن هذا المفهوم لم يكن يومًا مجرد إطار فكري، بل كان له تجليات سياسية وعملياتية سعت لتحقيقها فصائل مختلفة.
في المقابل، تشدد القيادة الفلسطينية، بدعم من دول عربية، على أن أي حل للقضية الفلسطينية يجب أن يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك حدود عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية. وترى أن تصريحات من هذا النوع تقوض بشدة إمكانية التوصل إلى حل سياسي.
التداعيات المحتملة على العلاقات الدولية
من المتوقع أن تؤدي هذه التصريحات إلى مزيد من توتر العلاقات بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة، إذا لم تصدر واشنطن موقفًا واضحًا يدين هذه الدعوات. وتشعر العديد من العواصم العربية بأن مثل هذه الخطابات، التي تصدر عن شخصيات أمريكية ذات خلفيات سياسية، تحتاج إلى رد حازم من الإدارة الأمريكية لضمان عدم تأثيرها على مسار السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
يُذكر أن العلاقات بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية قد شهدت فتورًا في الآونة الأخيرة بسبب مجموعة من القضايا، وتصريحات هاكابي قد تضيف بعدًا جديدًا لهذه التوترات. من ناحية أخرى، تنظر إسرائيل إلى هذه التصريحات كدعم محتمل من اليمين الأمريكي، رغم أن الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية قد يكون أكثر حذرًا نظرًا لاعتبارات سياسية ودبلوماسية.
مستقبل القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي
يُسلط هذا الجدل الضوء على التحديات المستمرة التي تواجه حل القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي تسعى فيه جهود دبلوماسية دولية، وإن كانت بطيئة، إلى تحقيق تقدم، فإن مثل هذه التصريحات تعيد إحياء المخاوف من وجود أجندات تسعى إلى تعقيد المشهد السياسي وربما تغيير الواقع على الأرض بالقوة. يخشى المحللون أن يؤدي تكرار مثل هذه الخطابات إلى مزيد من التطرف والعنف في المنطقة.
يُعدّ متابعة ردود الفعل الدولية والعربية على تصريحات هاكابي، إلى جانب أي ردود فعل رسمية من قبل الحكومة الإسرائيلية، أمرًا حيويًا في الأيام والأسابيع القادمة. كما أن موقف الإدارة الأمريكية الرسمي من هذه القضية سيؤثر بشكل كبير على مسار العلاقات الدبلوماسية في المنطقة، وقد يعطي مؤشرات حول التوجهات السياسية المستقبلية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
