على الرغم من اتفاق الأطراف السورية والإسرائيلية في باريس على تشكيل آلية اتصال مشتركة برعاية أمريكية بهدف تخفيف التوتر العسكري والانخراط الدبلوماسي، إلا أن إسرائيل تواصل انتهاكاتها للأراضي السورية. فقد توغلت قوات إسرائيلية، يوم الأربعاء، في عدة قرى بمحافظة القنيطرة، ونصبت حاجزاً عسكرياً في قرية الصمدانية الشرقية، وقامت بتفتيش المدنيين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المفاوضات وجهود تحقيق الاستقرار في المنطقة، خاصةً مع استمرار التوتر بشأن الوضع في الجولان السوري.

توغل إسرائيلي جديد في القنيطرة وتأثيره على المفاوضات

ووفقاً لمصادر محلية، توغلت “قوة إسرائيلية مؤلفة من سيارتي هايلكس وهمر في بلدة بئر عجم باتجاه قرية بريقة، وتوقفت عند بئر الكباس لمدة تقارب عشر دقائق، ثم انسحبت من المنطقة”. فيما أفادت قناة الإخبارية السورية بنصب قوات إسرائيلية “حاجزاً عسكرياً مكوناً من 3 آليات في قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة وقامت بتفتيش المارة”. تأتي هذه التوغلات بعد أيام من تمركز قوات إسرائيلية في تل الأحمر الشرقي ورفع العلم الإسرائيلي، مما عزز سيطرتها على التلين الأحمرين الغربي والشرقي، وهما موقعان استراتيجيان كانا تحت سيطرة القوات السورية.

توقف المفاوضات وتباين المواقف

تشير التقارير الإعلامية الإسرائيلية إلى توقف المفاوضات السورية الإسرائيلية التي جرت في باريس عند “تفاهم محدود على إنشاء آلية تنسيق تهدف إلى منع الاشتباكات على الأرض، بمشاركة أميركية فعّالة”. ولم يتم تحقيق أي تقدم ملموس بعد ذلك، وذلك بسبب الخلافات الجوهرية حول مستقبل المناطق المتنازع عليها. وصحيفة “معاريف” الإسرائيلية نقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن “الموقف الإسرائيلي واضح وغير قابل للتفاوض: لن يكون هناك انسحاب من جبل الشيخ”، مؤكداً أن المطلب السوري بالربط بين اتفاق أمني وانسحاب إسرائيلي هو السبب الرئيسي لعرقلة المحادثات.

تحليل الأسباب والدوافع

يرى الباحث والمحلل السياسي محمد السليمان أن جولة المفاوضات الأخيرة في باريس كانت تهدف إلى “تقليل المخاوف بين الطرفين، وتبادل المعلومات التي من شأنها أن تساهم في استقرار المنطقة، من خلال منع عودة الميليشيات المدعومة من إيران عبر الحدود”. لكنه أكد أن سبب توقف التفاوض يكمن في “استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بالإضافة إلى الدعم الإسرائيلي المستمر لفواعل ما دون الدولة في الجنوب السوري والجزيرة السورية”.

وأضاف السليمان أن “إسرائيل تتبع هذه السياسات لتكون وسيلة ضغط في جلسات التفاوض، إلا أن هذا يضعف إمكانية الاتفاق على بدء المفاوضات الفعلية”. كما أن إسرائيل ترفض الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، وهو أمر غير مقبول لدمشق التي تصر على “انسحاب إسرائيل الكامل إلى الحدود قبل 8 ديسمبر، وترفض إقامة منطقة عازلة ضمن هذه الحدود باعتبارها انتهاكاً للسيادة الوطنية”. هذه الخلافات تعكس تعقيد الوضع الإقليمي وتحديات تحقيق تسوية شاملة.

الوضع في الجولان السوري والتوترات المستمرة

وتشير التقارير إلى أن دمشق تسعى إلى اتفاق أمني محدود يهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة ووقف الانتهاكات، بالإضافة إلى “وقف الاتصال بين إسرائيل وفواعل ما دون الدولة في جنوب سوريا ومنطقة الجزيرة السورية”. وتتهم دمشق إسرائيل باستغلال هذه الروابط في دعم الجماعات التي تقوض استقرار الدولة السورية. ويعتقد السليمان أن إسرائيل تستثمر الدعم الأميركي لها في مواصلة انتهاكاتها “دون وجود رادع فعلي”.

ومنذ أكثر من عام، تتواصل التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتحديداً في القرى الواقعة على خط الفصل في ريف محافظة القنيطرة، حيث تقيم الحواجز وتعتقل المدنيين، وتقوم بتجريف الأراضي الزراعية وتدمير المحاصيل. هذه الممارسات تثير قلقاً بالغاً لدى السكان المحليين وتزيد من حدة التوتر في المنطقة.

على الرغم من الاتفاق في 6 يناير الحالي على تشكيل آلية اتصال مشتركة برعاية أمريكية، بهدف تنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار التوتر وعدم وجود تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية. وتسعى دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، بينما ترفض إسرائيل الانسحاب من المناطق التي تعتبرها ضرورية لأمنها.

الخطوة التالية ستكون تقييم فعالية آلية الاتصال المشتركة التي تم الاتفاق عليها في باريس. من غير الواضح ما إذا كانت هذه الآلية ستنجح في تحقيق الاستقرار المطلوب، أم أنها ستظل مجرد إطار عمل غير فعال. يجب مراقبة تطورات الوضع في الجولان السوري عن كثب، وتحليل أي تحركات جديدة من قبل الأطراف المعنية، لتقييم فرص تحقيق تسوية سياسية شاملة.

شاركها.