بعد أشهر من الركود، تشهد المفاوضات السورية الإسرائيلية دفعة جديدة بفضل وساطة أمريكية مكثفة. حيث استأنف ممثلو البلدين اجتماعاتهم في باريس، في جولة تعتبر الخامسة، في ظل ضغوط متزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تهدف هذه المحادثات إلى إيجاد حلول للخلافات العالقة، وفي مقدمتها مسألة الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية.
عودة التفاوض السوري الإسرائيلي: خطوة نحو الاستقرار أم طريق مسدود؟
بدأت الجولة الحالية من المفاوضات، التي استؤنفت بعد توقف دام شهرين، بتمثيل سوري رفيع المستوى بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني ومدير المخابرات حسين سلامة. بالمقابل، عززت الولايات المتحدة وفدها، الذي ضم إلى جانب توم براك، السفير الأمريكي لدى تركيا ومبعوث ترامب الخاص إلى سوريا، مستشارين رئيسيين للرئيس ترامب، وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. كما شهد الجانب الإسرائيلي تغييرًا في مفاوضيه، حيث خلف يحيئيل لايتر، سفير إسرائيل في واشنطن، رون دريمر، واستعان بمسؤولين عسكريين وأمنيين كبار.
تأتي هذه الجولة استجابة للضغط الأمريكي المتزايد، بعد أن وصلت المفاوضات السابقة إلى طريق مسدود في أكتوبر (تشرين الأول). وتكمن العقبة الرئيسية في مطالبة سوريا بانسحاب إسرائيلي كامل من جميع المناطق التي تحتلها في الأراضي السورية، وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل 8 ديسمبر 2024، بينما ترفض إسرائيل ذلك، وتربط الانسحاب بتوصل إلى اتفاق سلام شامل يراعي مخاوفها الأمنية.
تباين الأهداف وتصاعد المخاوف
تشكل الأهداف المتضاربة أبرز تحدٍ أمام تقدم المفاوضات. تسعى دمشق إلى اتفاق أمني يعيد الأمور إلى نصابها وفقًا لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، في حين تعتبر إسرائيل هذه الاتفاقية من الماضي وتبحث عن ضمانات أمنية أكثر قوة. تعبر تل أبيب عن قلقها من أن تصبح الأراضي السورية قاعدة لشن هجمات ضدها من قبل جماعات مسلحة.
وعلى الرغم من أهمية القضية، يبدو أن السلطات السورية الحالية لا تثير مسألة مرتفعات الجولان المحتلة، ربما لعدم جدوى ذلك في ظل اعتراف الرئيس ترامب بضم هذه المنطقة إلى إسرائيل خلال فترة ولايته الأولى. هذا التوجه يعكس تقييمًا للواقع السياسي وعدم رغبة في الدخول في مواجهة مباشرة حول قضية تعتبرها معقدة وحساسة.
تشير مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إلى أن نجاح أو فشل هذه الجولة من المفاوضات يعتمد بشكل كبير على الموقف الأمريكي. وهناك تساؤلات حول ما إذا كانت استراتيجية الرئيس ترامب في دعم سوريا ضد الأطماع الإسرائيلية ستنجح، أم أنه سينحاز في النهاية إلى مطالب حليفه الإسرائيلي.
تقارير حديثة نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين، لم يتم الكشف عن هويتهم، أشارت إلى أن المحادثات كانت “إيجابية” وأن الطرفين اتفقا على تسريع وتيرة المفاوضات واتخاذ خطوات لبناء الثقة. ووفقًا لهذه التقارير، أعرب الجانبان عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني يتماشى مع رؤية الرئيس ترامب للشرق الأوسط، وهو ما يمثل تطورًا هامًا في مسار المفاوضات.
في حال صحت هذه المعلومات، فإن ذلك يدل على أن الضغوط الأمريكية بدأت تؤتي ثمارها في احتواء المطالب الإسرائيلية. إسرائيل، كانت تتصرف سابقًا في الأراضي السورية وفقًا لمصالحها الخاصة، دون الاكتراث بالاستقرار الإقليمي أو الوضع الإنساني الصعب الذي تعيشه سوريا. ولكن التوصل إلى اتفاق أمني قد يمثل بداية لتغيير هذا النهج.
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق على التركيز على اتفاق أمني بدلاً من سلام شامل أن الأمور سارت على نحو مثالي. لا يزال من الضروري فهم تفاصيل ما الذي تطمح إسرائيل إلى تضمينه في هذا الاتفاق.
حتى الآن، لم يعلن أي من الطرفين المتفاوضين أو الوسيط الأمريكي عن موعد محدد لجولة جديدة من المفاوضات. وعلى الرغم من التفاؤل الإسرائيلي الحذر، إلا أن هناك تأكيدًا من قبل كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إسرائيل على العزم على الحفاظ على الوجود العسكري في ثماني مواقع داخل الأراضي السورية. ويشبه هذا الموقف رفض إسرائيل الانسحاب من المواقع الخمسة في جنوب لبنان، ويعكس إصرارها على الحفاظ على مزايا استراتيجية في المنطقة.
وتعتبر قمة جبل الشيخ السوري من بين أهم هذه المواقع، حيث تواصل إسرائيل عمليات التحصين والبناء عليها، مما يدل على نيتها البقاء فيها على المدى الطويل. وتؤكد مصادر إسرائيلية أن هذا الموقع يمنحها القدرة على مراقبة مناطق واسعة في سوريا ولبنان على حد سواء.
في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست، أكد أحمد الشرع أن سوريا قطعت شوطًا كبيرًا في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لكنه شدد على أن أي تسوية تتطلب انسحابًا إسرائيليًا كاملاً إلى حدود 8 ديسمبر 2024. هذا المطلب يمثل تحديًا كبيرًا أمام إسرائيل، التي تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة.
بشكل عام، لا يزال مستقبل المفاوضات السورية الإسرائيلية محاطًا بالغموض. من المتوقع أن يلعب الرئيس ترامب دورًا حاسمًا في تحديد مسار هذه المفاوضات، وسيتعين عليه إيجاد حلول وسطية ترضي الطرفين. من المهم متابعة التطورات في الأشهر القادمة لمعرفة ما إذا كان هذا الجهد الدبلوماسي سينجح في تحقيق الاستقرار في المنطقة.
