تعترض تعقيدات كبيرة تشكيل القوة الدولية لتأمين غزة بعد حرب الإبادة على القطاع، والتي من المقرر تشكيلها بموجب الخطة الأميركية وقرار صدر عن مجلس الأمن الدولي، وسط تقارير عن تراجع في التزامات الدول المرشحة للمشاركة، وغموض في آليات نزع سلاح حماس، وتأخير في تنفيذ البنود المركزية لخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

جاء ذلك، بحسب ما أفادت صحيفة “واشنطن بوست”، التي استعرضت نقاشات داخلية وضغوطًا دبلوماسية ومحاولات أميركية لحشد قوات ضمن “قوة الاستقرار الدولية” (ISF)، وهي البند المركزي من القرار الذي أقرّه مجلس الأمن في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بمنحه تفويضًا لـ”نزع السلاح” وتأمين الحدود وحماية المدنيين وعمليات الإغاثة.

وقال مسؤول إقليمي مطلع على المداولات: “قبل شهر، كانت الأمور في وضع أفضل”، في إشارة إلى تراجع الزخم الذي رافق الإعلان الأولي للخطة. وأفادت الصحيفة بأن إدارة ترامب تتحرك لإقناع دول بإرسال قوات، غير أن دولًا عديدة، حتى تلك التي تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع واشنطن، ما تزال مترددة.

وأشارت الصحيفة إلى تساؤلات ضاغطة تطرحها هذه الدولة خاصة حول كيفية “تأمين عملية نزع السلاح من حركة حماس” في ظل استمرار الغارات والهجمات الإسرائيلية على القطاع رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإندونيسية قوله: “يريدون من قوة الاستقرار الدولية أن تدخل غزة وتعيد ما يسمونه ’القانون والنظام‘ وتنزع أي مقاومة… وهذه هي المشكلة. لا أحد يريد فعل ذلك”.

وبموجب الخطة الأميركية، فإن “قوة الاستقرار الدولية” ستكون “حلًا طويل المدى للأمن الداخلي” في غزة، وأن انتشارها ينبغي أن يتم “فورًا”، فيما ما تزال قواعد الاشتباك ونطاق التفويض قيد الإعداد.

وقال شخص مطلع على التخطيط الأميركي إن الهدف هو نشر ثلاث فرق، أو ما يصل إلى 15 ألف جندي، بينما نقل آخر أن العدد قد يصل إلى 20 ألفًا. وأشار مسؤول أميركي إلى أن الانتشار متوقع في “مطلع 2026″، وأن عملية اختيار الدول “لا تزال عملية سائلة”.

وأضاف المسؤول الأميركي: “هناك التزامات قيد الدراسة. ولن ترسل أي دولة جنودها قبل معرفة تفاصيل المهمة”.

وتشير الصحيفة إلى أن اندونيسيا، التي أعلنت سابقًا استعدادًا لإرسال ما يصل إلى 20 ألف عنصر، أعادت تعديل موقفها. وذكر الناطق باسم وزارة الدفاع الإندونيسية أن الرقم كان يشير إلى “القدرة الإجمالية لحفظ السلام” وليس التزامًا خاصًا بغزة.

كما قال متحدث باسم الخارجية الإندونيسية إن الرقم “يتعلق بالجاهزية العامة لإندونيسيا”. ووفق المسؤول الإندونيسي الذي تحدث للصحيفة، يجري التحضير لإرسال نحو 1200 جندي فقط كدفعة أولى، وأن انتشارهم قد يتطلب ستة أشهر.

وأشار إلى أن “بعض الضباط مترددون بشدة” خشية الانخراط في احتكاك مسلح مع فلسطينيين. وأضاف المسؤول أن حكومات في الشرق الأوسط “وبّخت” جاكرتا لتقدمها عليهم بالإعلان المبكر عن إرسال قوات. ووفق شهادته، باتت إندونيسيا تتحدث عن مهام “صحية وإنشائية” بدل أدوار قتالية.

وقال قائد الجيش الإندونيسي، الجنرال أغوس سوبيانتو، إن القوة ستتألف من ثلاث ألوية بقيادة جنرال بثلاث نجوم وبدعم جوي وبحري، مع إرسال “فريق استطلاع” أولًا لتحديد مواقع الانتشار.

وأشارت الصحيفة إلى دول أخرى أبدت استعدادًا أوليًا مثل أذربيجان وباكستان وإيطاليا. ونقلت عن “رويترز” أن باكو ستشارك فقط إذا توقّف القتال بالكامل. ولم يصدر تعليق إضافي من الخارجية الأذربيجانية أو البعثة لدى الأمم المتحدة، كما رفضت شخصيات باكستانية التعليق.

وقال مسؤول حكومي إيطالي رفيع المستوى إن بلاده “تقيّم أكثر السبل فعالية للمساهمة”، مشيرًا إلى اهتمام بعمليات إزالة الألغام وتوسيع برامج تدريب الشرطة الفلسطينية.

وبحسب الصحيفة، فإن قوة الاستقرار ما تزال تفتقر إلى “الدعم الحاسم” من دول الخليج. وقال مسؤول إقليمي إن هذه الدول “تراجعت” عن استعدادات سابقة.

ونقلت الصحيفة عن المستشار الإماراتي أنور قرقاش أنه “لا يرى إطارًا واضحًا” للقوة، فيما قال محلل سياسي إماراتي إن “الغموض لا يلقى ارتياحًا في أبوظبي”. وبات من “المستبعد” أن تنشر أي دولة خليجية جنودًا داخل غزة، رغم احتمال مساهمتها في التنسيق من الخارج، بحسب دبلوماسي مطلع.

ويأتي تشكيل القوة ضمن “المرحلة الثانية” من خطة ترامب، التي تشمل أيضًا “مجلس سلام” برئاسته لإدارة غزة لمدة عامين، ولجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة شؤون القطاع اليومية، وانسحابًا إسرائيليًا إضافيًا، ونزع سلاح حماس.

وقال شخص مطلع على الجهود: “كنا نعتقد أنه بعد قرار مجلس الأمن، سيتم الإعلان عن مجلس السلام خلال 48 إلى 72 ساعة… لكن لم يحدث شيء، حتى غير رسمي”. ولم تُسمِّ الخطة حتى الآن أعضاء آخرين في مجلس السلام، رغم قول ترامب إن المجلس سيضم “رؤساء دول كبرى”.

وأشار مسؤول أميركي آخر إلى أن الهدف هو إطلاق كل من مجلس السلام والقوة الدولية “في الأسابيع المقبلة”، لكنه اعترف بأن أسئلة كبيرة ما تزال بلا إجابة، خصوصًا المتعلقة بآليات نزع السلاح، والتنسيق مع قوة الشرطة الفلسطينية التي يُفترض تشكيلها بموجب الخطة.

وقالت الصحيفة إن حماس وافقت شفهيًا، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار الشهر الماضي، على آلية للتجريد من السلاح، وفق المستشار المصري خالد عكاشة. لكن الحركة “شدّدت موقفها” منذ ذلك الحين، بحسب مسؤول مصري سابق، مع احتمال أن تسلّم أسلحة ثقيلة وتُبقي على الأسلحة الخفيفة.

وصرّح دبلوماسي مصري سابق: “العالم كله يعرف أن نزع السلاح يستغرق سنوات”، مؤكدًا أنه لا يمكن تنفيذ ذلك دون معالجة مستقبل غزة السياسي. وأضاف أن مصر، رغم دورها المركزي في الخطة، “لن تشارك” في القوة ما دامت إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية في القطاع. وقال: “ماذا سيحدث لو قتلت إسرائيل عددًا من جنود القوة، سواء من مصر أو غيرها؟ ستكون كارثة”.

وتستعرض الصحيفة أسئلة أخرى تتعلق بمواقع انتشار القوة، وما إذا كانت ستبقى في مناطق تحت السيطرة الإسرائيلية أو تدخل مناطق تنشط فيها حماس. وعلى الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، فإنها ما تزال تسيطر على أكثر من نصف القطاع.

وبحسب وثيقة داخلية في الجيش الإندونيسي، التي اطلعت عليها الصحيفة، يُدرس نشر القوات في مناطق لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

كما لم يحسم بعد ما إذا ستكون القوة الدولية مسؤولة عن حماية “المناطق الآمنة” التي تخطط لها إسرائيل داخل المناطق التي تسيطر عليها، والتي وصفت بأنها “مدن صغيرة” تضم مؤسسات وخدمات أساسية لتشجيع السكان على الانتقال إليها بدعم دولي. وتشير الصحيفة إلى أن جاريد كوشنير يقود هذا المشروع.

ونقلت الصحيفة عن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قوله إنه “يشكك” في قدرة أي قوة دولية على نزع سلاح حماس، وأضاف: “قالوا إن قوات دولية قد تفعل ذلك… حسنًا، يمكنكم المحاولة”.

ويرى باحثون إسرائيليون أن تل أبيب تعمل على فرضية مفادها أنها “ستضطر نهاية المطاف إلى نزع سلاح حماس بنفسها”، ونقلت الصحيفة عن باحث إسرائيل قوله “كل المؤشرات تقول إنه لا توجد دول مستعدة لتحمّل هذه المسؤولية… الخلاصة: من غير المرجح أن تؤدي ISF، إن تم إنشاؤها أصلًا، إلى نزع سلاح غزة”.

شاركها.