يلف الغموض مصير الاتفاق المبدئي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا بشأن “برنامج تنموي موحد”، بعد مرور ثلاثة أشهر على توقيعه. التصعيد السياسي المتجدد بين المجلسين، بالتزامن مع تزايد وتيرة ما يُعرف بـ”الإنفاق الموازي”، يهدد بتقويض أي تقدم نحو استقرار مالي واقتصادي في البلاد التي تعاني بالفعل من انقسامات عميقة.
هذا الوضع يثير تساؤلات حول قدرة ليبيا على تحقيق إصلاحات مالية شاملة وتوحيد مؤسساتها الاقتصادية. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه البلاد من صعوبات في إقرار ميزانية موحدة منذ عام 2014، مما أدى إلى اعتماد ترتيبات مالية مؤقتة تزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي.
تحديات تواجه الاتفاق التنموي الموحد
يرى خبراء أن الحديث عن اتفاق يوحّد المشهدين المالي والاقتصادي، أو حتى صموده، يواجه صعوبات جمة في ظل غياب إرادة وطنية حقيقية. ويشير الدكتور سلامة الغويل، رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، إلى أن الاعتماد على التدخل الدولي المباشر، والذي يفرض حلولاً فوقية، قد أصبح نهجاً متكرراً يعيق تحقيق الاستدامة الاقتصادية والسياسية في ليبيا.
وعلى الرغم من أن الاتفاق أثار آمالاً عريضة بصفته خطوة نحو ضبط الإنفاق العام ووقف المسارات التمويلية الأحادية، إلا أن هذه الآمال تراجعت سريعاً. فقد عاد كل طرف إلى إجراءات مالية منفردة، مما يعيد تأجيج الصراع على الموارد ويزيد من حالة عدم اليقين.
الإنفاق الموازي وتداعياته
يشكل “الإنفاق الموازي” – أي الصرف خارج القنوات الرسمية – خطراً كبيراً على أي تفاهمات اقتصادية في ليبيا. وتشير تقديرات إلى أن حجم الإنفاق الموازي بلغ حوالي 59 مليار دينار خلال عام 2024 وحده. هذا الإنفاق غير الخاضع للرقابة يعيق جهود التنمية ويساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.
وفي هذا السياق، اتخذت حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة قراراً بتخصيص اعتماد إضافي بقيمة 895 مليون دينار لميزانيات الدفاع والأمن، بالإضافة إلى المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. في المقابل، أقر مجلس النواب ميزانية لصندوق الإعمار بقيمة 69 مليار دينار، وهو ما أثار اعتراضات من حكومة الوحدة الوطنية التي اعتبرته فتحاً لباب الإنفاق الموازي.
تأثيرات قانون الدين العام
أثار إقرار مجلس النواب لقانون الدين العام جدلاً واسعاً. يهدف القانون إلى تسوية ديون متراكمة تتجاوز 303 مليار دينار منذ عام 2014، من خلال خصم نسبة 3٪ من الإيرادات النفطية. يرى البعض أن هذا الإجراء يمثل خطوة تنظيمية ضرورية، بينما يخشى آخرون من استخدامه كغطاء لتمويل إنفاق غير إنتاجي بضمانات سيادية.
ويرى المحلل الاقتصادي محمد الشحاتي أن هذه التحركات المتوازية يمكن اعتبارها “مساومات سياسية” تهدف إلى التأثير على شكل الميزانية المقبلة. ويستبعد أن تؤدي الإجراءات الأحادية إلى شيء سوى لجوء المصرف المركزي إلى تقييد الصرف، باستثناء المرتبات ودعم الوقود، في حال عدم إقرار ميزانية موحدة.
ردود الفعل الدولية
رحبت الولايات المتحدة والبعثة الأممية في ليبيا بالاتفاق التنموي الموحد، معتبرين أنه يعزز الاستدامة المالية ويدعم مشاريع التنمية. ومع ذلك، يشكك بعض المحللين في حجم الضغط الدولي المتوقع على الأطراف الليبية لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، خاصة مع انشغال الإدارة الأميركية بملفات أخرى.
في الختام، يظل مستقبل الاتفاق التنموي الموحد معلقاً. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المشاورات بين المجلسين، وربما تدخلات دولية، بهدف التوصل إلى حلول توافقية. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق إرادة وطنية حقيقية تتجاوز المصالح الحزبية والقيادية، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. من الأمور التي يجب مراقبتها عن كثب تطورات الميزانية العامة وموقف المجلس المركزي من التعامل مع التمويلات الموازية.
