أثارت خطط المصرف المركزي الليبي لفرض ضريبة على السلع المستوردة جدلاً واسعاً، حيث رفض كل من مجلس النواب وحكومة الوحدة المؤقتة هذه الإجراءات، مؤكدين أنها ستزيد العبء على المواطنين وستؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي. يأتي هذا الرفض في وقت تشهد فيه ليبيا تزايداً في أسعار صرف العملات الأجنبية، مما يفاقم الأوضاع المعيشية.

رفض نيابي وحكومي لفرض ضرائب على السلع المستوردة في ليبيا

أعلن كل من مجلس النواب الليبي وحكومة الوحدة المؤقتة رفضهما القاطع لأي مقترحات بفرض ضرائب أو رسوم مالية إضافية على السلع المستوردة. جاء هذا الموقف المشترك بالتزامن مع رفض 107 نواب ما وصفوه بـ “الإجراءات غير القانونية والمنعدمة” التي يزمع المصرف المركزي فرضها، مؤكدين أن البرلمان لم يصدر أي قرار يلزم بذلك.

في المقابل، أكدت حكومة الوفاق الوطني في بيان لها، أن فرض أي تدابير ذات أثر مباشر على سعر الصرف ومستوى الأسعار خارج نطاق اختصاصها التنفيذي يعد تجاوزاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وسيؤدي إلى إرباك السوق وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي.

تجاوزات مالية وإنفاق موازٍ… أسباب الأزمة

أرجع رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، سبب الارتفاع الجنوني في أسعار صرف العملات الأجنبية إلى ما وصفه بـ “الإنفاق الموازي غير المنضبط” الذي قدّر بنحو 70 مليار دينار خلال عام واحد. وأوضح الدبيبة في بيان أن هذا الإنفاق خلق طلباً إضافياً على النقد الأجنبي يفوق 10 مليارات دولار، مما أفرغ إجراءات سحب السيولة من محتواها وأعاد الكتلة النقدية للسوق مجدداً. وأشار إلى أن الدولار الواحد في السوق الرسمية يساوي 6.32 دينار، بينما يتجاوز 4 دنانير في السوق الموازية. وطالب الدبيبة محافظ المصرف المركزي بوقف أي قرارات من شأنها زيادة العبء على المواطن، محملاً إياه والجهات المسؤولة عن الإنفاق الموازي المسؤولية التاريخية.

من جانب آخر، شددت حكومة الوحدة على أن جوهر أزمة ارتفاع سعر صرف الدولار يرتبط بشكل أساسي بالإنفاق الموازي خارج الميزانية المعتمدة، والذي تجاوز قدرة الاقتصاد الوطني على الاستيعاب والتمويل دون الإضرار بالتوازنات النقدية. وأدى ذلك إلى تضخم في الكتلة النقدية المحلية دون غطاء إنتاجي أو احتياطي أجنبي كافٍ، مما ولد طلباً مفرطاً على النقد الأجنبي وضغوطاً متصاعدة على سعر الصرف.

موقف المؤسسة التشريعية من رسوم الاستيراد

في تصريح لافت، أصدر 107 من أعضاء مجلس النواب بياناً مشتركاً تبرأوا فيه من أي ضرائب أو رسوم مالية يعتزم المصرف المركزي فرضها. ووصف النواب هذه الإجراءات بأنها “غير قانونية” و”منعدمة”، مؤكدين أن مجلس النواب، بصفته السلطة التشريعية، “لم يصدر عنه أي قرار صحيح أو نافذ” يقضي بفرض ضرائب أو أعباء مالية جديدة. وشددوا على أن أي مراسلات يتم تداولها حالياً، مهما كانت الجهة التي أصدرتها، لا تعبر عن الإرادة الحقيقية للمجلس ولا تكتسب قوة قانونية ما لم تصدر في جلسة رسمية مكتملة النصاب ووفقاً للائحة الداخلية.

علاوة على ذلك، أخلى النواب مسؤوليتهم القانونية والدستورية بالكامل من أي إجراءات تمس الوضع المالي للدولة أو حقوق المواطنين بناءً على مراسلات “منسوبة” للمجلس دون اعتمادها قانونياً. وحثوا كافة الأفراد والمؤسسات المتضررة من قرارات المصرف المركزي على اللجوء الفوري للجهات القضائية المختصة للطعن في هذه الإجراءات ورفع دعاوى قانونية لحماية الحقوق وترسيخ سيادة القانون. كما أقال أعضاء لجنة الاقتصاد والاستثمار بمجلس النواب رئيسها بدر النحيب، بسبب تبنيه فرض الضريبة على بعض السلع دون الرجوع إلى أعضاء اللجنة أو التصويت على القرار، مما اعتبروه تجاوزاً جسيماً للصلاحيات.

إجراءات تقشفية في قطاع النفط

في سياق متصل، أصدر رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، تعليمات عاجلة باتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية والمالية لترشيد الإنفاق. وبرر سليمان هذه التدابير بعدم اعتماد ميزانية العام الماضي حتى الآن، بالإضافة إلى محدودية المخصصات المتاحة من ميزانية عام 2024 التي لم تتجاوز 25 في المائة. وتهدف هذه الإجراءات إلى تفادي ترتيب أي التزامات مالية غير مغطاة وحماية المؤسسة من أعباء إضافية قد تؤثر في أدائها التشغيلي، مؤكداً أن الأولوية تكمن في استقرار الإنتاج ومتطلبات السلامة والبيئة. وشملت التعليمات إيقاف جميع إجراءات الشراء والتوريد، وتعليق كافة أشكال التعاقد، ومنع تحويل أي أموال إلى الشركات أو المكاتب في الخارج.

تتجه الأنظار الآن نحو الخطوات المستقبلية للمصرف المركزي، ومدى إمكانية التوصل إلى حلول وسط توازن بين الحاجة إلى ضبط ميزانية الدولة والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين. يبقى التحدي الأكبر هو احتواء أزمة سعر الصرف والتغلب على أسبابها الجذرية، في ظل انقسامات سياسية واقتصادية تلقي بظلالها على مستقبل الاستقرار في ليبيا.

شاركها.