عودة المفاوضات السورية الإسرائيلية

عادت محادثات السلام السورية الإسرائيلية إلى دائرة النشاط بعد فترة توقف دامت شهرين، وذلك بفضل جهود دبلوماسية أمريكية مكثفة. جولة مفاوضات جديدة انطلقت في باريس، بحضور وفود من كلا البلدين، بالإضافة إلى مسؤولين أمريكيين بارزين، في محاولة لكسر الجمود الذي شابّ الجولة السابقة. تتركز هذه المفاوضات على قضايا أمنية معقدة وعلى مستقبل التواجد الإسرائيلي في الأراضي السورية.

شهدت الجولة الحالية تغييرات في الوفود المشاركة. يمثل سوريا وزير الخارجية أسعد الشيباني ومدير المخابرات حسين سلامة، بينما عززت الولايات المتحدة تمثيلها بمشاركة السفير لدى تركيا توم براك، ومستشاري الرئيس ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. من جانب إسرائيل، تولى سفيرها في واشنطن يحيئيل لايتر مهمة التفاوض، بمساعدة سكرتير نتنياهو العسكري اللواء رومان غوفمان والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي.

الضغط الأمريكي وعقدة الانسحاب

تعود أهمية هذه الجولة من المفاوضات إلى الضغط الذي مارسته الإدارة الأمريكية على إسرائيل لاستئناف الحوار. وكانت الجولة الرابعة التي جرت في أكتوبر الماضي قد وصلت إلى طريق مسدود بسبب خلافات جوهرية بين الطرفين. أبرز هذه الخلافات يتمثل في مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي السورية التي تحتلها.

تطالب دمشق بالانسحاب الكامل وغير المشروط إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر 2024، بينما ترفض إسرائيل ذلك وتربطه بالتوصل إلى اتفاق سلام شامل يلبي مخاوفها الأمنية. وتعتبر إسرائيل أن الأهداف التي كانت قائمة في عام 1974، تاريخ اتفاقية فك الاشتباك، قد تغيرت، وأن التهديدات التي تواجهها تتطلب وجوداً عسكرياً في الأراضي السورية، خوفاً من استخدامها من قبل جماعات معادية.

الجولان المحتل: قضية مُجمَّدة

من اللافت أن الجانب السوري لم يثر مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الجزء المحتل من هضبة الجولان، وهو ما يرجعه مراقبون إلى تعذر تحقيق ذلك في ظل اعتراف الإدارة الأمريكية بضم الجولان لإسرائيل خلال ولاية الرئيس ترمب الأولى. هذه القضية تعتبر حتى الآن من القضايا المُجمَّدة في سياق أية مفاوضات مستقبلية.

دور أمريكا الحاسم

تُقرّ مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس بأن الدور الأمريكي حاسم في تحديد مصير المفاوضات. وتتساءل هذه المصادر عن مدى قدرة الرئيس الشرع على الحصول على دعم أمريكي فعلي لمواجهة الضغوط الإسرائيلية، وعما إذا كان هذا الدعم سيستمر في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.

تقارير عن تقدم إيجابي

نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي لم يكشف عن هويته أن المحادثات كانت “إيجابية” وأن الطرفين اتفقا على تسريع وتيرة المفاوضات واتخاذ تدابير لبناء الثقة. وأضاف المسؤول الإسرائيلي أن كلا الطرفين أعربا عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني يتماشى مع رؤية الرئيس ترمب للشرق الأوسط، وهو ما يشير إلى تحول محتمل في موقف إسرائيل.

تراجع إسرائيلي أم مناورة؟

ومع ذلك، يرى محللون أن هذا “التراجع” الإسرائيلي قد يكون مجرد مناورة لكسب الوقت أو الحصول على تنازلات أخرى. إذ تؤكد إسرائيل، على لسان كبار مسؤوليها، عزمها على الحفاظ على وجودها العسكري في ثمانية مواقع داخل الأراضي السورية، على غرار ما كانت تفعله في جنوب لبنان. وتشمل هذه المواقع قمة جبل الشيخ، التي تشهد أعمال تحصين وإنشاءات إسرائيلية مستمرة.

موقف سوريا الثابت

في تصريحات أدلى بها لصحيفة “واشنطن بوست” في نوفمبر الماضي، أكد الرئيس الشرع أن سوريا “قطعت شوطاً كبيراً” في مفاوضاتها المباشرة مع إسرائيل، لكنه شدد على أن أي تسوية يجب أن تتضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود 8 ديسمبر 2024.

آفاق غير واضحة

على الرغم من الأجواء الإيجابية التي تشير إليها التقارير، لم يعلن أي من الأطراف عن موعد محدد لعقد جولة مفاوضات جديدة. يظل مستقبل هذه المفاوضات معلقاً بالعديد من العوامل، بما في ذلك التطورات السياسية في المنطقة، والموقف الأمريكي النهائي من القضايا العالقة، والإرادة السياسية لدى الطرفين لتحقيق تقدم حقيقي نحو السلام. من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيداً من المشاورات والاتصالات الدبلوماسية لتحديد المسار الأمثل للمفاوضات، مع الأخذ في الاعتبار المصالح والأولويات المتضاربة لكلا الجانبين.

شاركها.