أثار إعلان الولايات المتحدة عن خطط طموحة لتحويل قطاع غزة إلى “مدينة ساحلية حديثة” مخاوف متجددة بشأن إمكانية حدوث تهجير للفلسطينيين، على الرغم من وجود مبادرات إقليمية تهدف إلى إعادة إعمار القطاع. تأتي هذه الخطة، التي كشفت عنها واشنطن خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في ظل جهود لوقف إطلاق النار وإعادة بناء غزة بعد الصراع الأخير، لكنها تثير تساؤلات حول مستقبل السكان المحليين ومستقبل المنطقة.
«غزة الجديدة».. بين الطموحات والمخاوف من التهجير
عرضت الولايات المتحدة رؤية شاملة لإعادة تطوير قطاع غزة، تتضمن بناء ناطحات سحاب ومجمعات سكنية حديثة، بالإضافة إلى مناطق صناعية وزراعية متطورة. تتضمن الخطة أيضاً إنشاء ميناء بحري ومطار جديد بالقرب من الحدود المصرية، ومعبر حدودي ثلاثي الأطراف. تهدف هذه المبادرة، التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب تحت مسمى “مجلس السلام العالمي الجديد”، إلى تحقيق “نجاح كبير” في غزة، مستفيداً من موقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط.
مخاوف من تغيير ديموغرافي
يعرب مراقبون عن قلقهم من أن هذه الخطة قد تكون ستاراً لمخطط أوسع نطاقاً لتهجير الفلسطينيين من غزة. يرى صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم فلسطين، أن الخطة الأميركية قد تتطلب نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإعادة هندسة القطاع، مما قد يؤدي إلى تغيير في الملكيات وإعادة توزيع السكان. هذه المخاوف تتزايد بسبب التركيز على تحويل القطاع إلى منطقة اقتصادية قد لا تكون تحت سيطرة سكانه الأصليين.
مبادرات إقليمية لإعادة الإعمار
في المقابل، هناك جهود إقليمية بقيادة مصر والجامعة العربية تهدف إلى إعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين. اعتمدت الجامعة العربية خطة مصرية لإعادة الإعمار في مارس الماضي، وأقرتها منظمة التعاون الإسلامي، وتركز على التعافي المبكر للقطاع وإعادة البناء بمشاركة حقيقية من الفلسطينيين. تعتبر هذه الخطة أكثر واقعية وشمولية، حيث تهدف إلى تلبية احتياجات السكان المحليين وضمان حقوقهم.
التكامل بين المبادرات أم التنافس؟
يرى البعض أنه لا يوجد تناقض مباشر بين الخطة الأميركية والمبادرات الإقليمية، لكنهما لا تتكاملان بشكل كامل. يشير طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، إلى أن القاهرة تعمل على عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار برعاية أميركية، مما قد يوفر فرصة للتنسيق بين الجهود المختلفة. ومع ذلك، يرى أن الخطة العربية المعتمدة إسلامياً هي الأنسب للفلسطينيين، لأنها تضمن عدم التهجير وتشارك الفلسطينيين بشكل فعال في عملية إعادة الإعمار.
أعلنت مصر استضافتها لمؤتمر دولي لإعادة إعمار قطاع غزة، ودعا الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئيس الأميركي للمشاركة فيه. وتركز مصر والدول العربية على تفعيل “اللجنة المستقلة” المعنية بإدارة غزة، مع التأكيد على أهمية وجود شريك فلسطيني في اللجنة لضمان استكمال خطة السلام في غزة.
مستقبل غزة: تحديات وفرص
تواجه الخطة الأميركية تحديات كبيرة، بما في ذلك الحاجة إلى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وضمان مشاركة الفلسطينيين في عملية إعادة الإعمار. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تنسيق الجهود بين مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك الولايات المتحدة ومصر والدول العربية والفلسطينيين.
في الوقت الحالي، من المقرر أن تبدأ “لجنة التكنوقراط” الفلسطينية، برئاسة علي شعث، مهمتها لإدارة غزة. من المتوقع أن يعقد مؤتمر القاهرة الدولي لإعادة إعمار غزة في الأشهر المقبلة، وسيكون من المهم مراقبة مدى التزام الأطراف المعنية بتقديم الدعم المالي والتقني اللازم لإعادة بناء القطاع. يبقى مستقبل غزة معلقاً بين الطموحات الإقليمية والدولية، والمخاوف المشروعة من التهجير، والبحث عن حلول مستدامة تضمن حقوق الفلسطينيين وتساهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
