بقلم : حنين خالد حليل .. باحثة في معهد بيت الحكمة ـ غزة

*

*قبل الحرب: الانقسام يهدد إسرائيل*
لعدة سنوات، شهد المجتمع الإسرائيلي حالة انقسام داخلي غير مسبوقة، بلغت ذروتها في أزمة “الإصلاح القضائي”، التي فجّرت شوارع تل أبيب والقدس باحتجاجات واسعة كادت تتحول إلى صدام أهلي شامل.
الصراع لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر بين تيارات متعارضة، بل مساسًا مباشرًا بجوهر هوية الدولة: هل تظل إسرائيل “ديمقراطية على النمط الغربي” أم تتحول إلى “دولة يهودية توراتية” تُحكم وفق أيديولوجيا الصهيونية الدينية؟
لقد تجاوز الانقسام حدود السياسة إلى العمق الاجتماعي والثقافي، لتصبح إسرائيل، بحسب التحليل، “ساحة صراع بين هويات متناقضة”، حيث تتصارع الروايات الوطنية والدينية والعلمانية على شكل الدولة ومصيرها.
_______________________________

*السابع من أكتوبر: العدو الخارجي كغطاء*
جاء هجوم السابع من أكتوبر ليعيد ترتيب الأولويات الداخلية في إسرائيل، فبدلاً من توجيه الغضب نحو الداخل، وُجّه نحو “العدو الخارجي”.
تحولت غزة إلى ساحة لتفريغ الاحتقان الداخلي، واستطاع رئيس الوزراء نتنياهو إعادة إنتاج صورته كـ “حارس الأمن القومي”، رغم الاتهامات الموجهة له بالفشل في إدارة الدولة والأزمات القضائية.
الإعلام الإسرائيلي لعب دورًا محوريًا في تضخيم صورة “الخطر الوجودي”، مقدمًا الحرب على أنها معركة حياة أو موت، هذا المناخ الإعلامي والسياسي سهّل على النخب الحاكمة تجميد الانقسامات الداخلية مؤقتًا تحت مظلة “الوحدة الوطنية”.
يمكن القول إن:
*”في حرب غزة الأخيرة، بدا أن نتنياهو يواجه عدوًّا داخليًا لا يقل شراسة عن الصواريخ القادمة من الخارج.”*
________________________________________

*العدو الخارجي كصمام أمان داخلي* 
تحولت الحرب على غزة إلى أداة لإدارة الأزمة الداخلية:
*تجميد مؤقت للصراع بين الديني والعلماني* : فقد وجّهت الحرب التركيز إلى البعد الأمني والوجودي، ما أخر الخلافات الأيديولوجية.
*إيقاف مؤقت للتصدع داخل الجيش والأجهزة الأمنية:*   فالتهديد الخارجي خلق حالة من الوحدة بين مؤسسات الدولة المختلفة.
*منح نتنياهو مساحة للهروب من المحاسبة* : فالتصعيد العسكري أبعد الأنظار عن أزماته القضائية والسياسية الداخلية.
بهذا المعنى، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى وظيفة داخلية: “منع الانفجار الأهلي الإسرائيلي، أو على الأقل تأجيله”.

*”العدو الخارجي أصبح كصمام أمان داخلي يوقف شلال الانقسامات المتوقعة.”*________________________________________

*ما بعد الحرب: انفجار مؤجل*
لكن هذه الوحدة كانت ظرفية، وغير مستدامة.
مع طول أمد الحرب وارتفاع كلفتها البشرية والاقتصادية، تعود الأسئلة الداخلية إلى الواجهة: من المسؤول؟ وإلى أين تسير إسرائيل؟
الصراع بين التيار الديني والليبرالي، وبين مراكز القوى الأمنية والسياسية، وبين الأشكناز والشرقيين، لم يُحل بالحرب، بل جرى ترحيله مؤقتًا، أي هزيمة أو تعثر سيعيد هذه التناقضات إلى السطح بقوة أكبر، وربما تصبح أخطر على تماسك الكيان الإسرائيلي من أي وقت مضى.
*”الوحدة في الحرب ليست تحوّلًا حقيقيًا، بل تأجيل للحظة الانفجار الداخلي.”*

________________________________________

الخاتمة :
 إسرائيل بعد السابع من أكتوبر تعيش وحدة مزيفة فرضها الخوف من العدو الخارجي، هذا “المسكن الأمني” لم يعالج جذور الأزمة، بل أجلها مؤقتًا، حين يسقط الغطاء الذي وفّرته الحرب، سيعود المجتمع الإسرائيلي لمواجهة أزماته الوجودية التي لا يمكن حسمها بالسلاح وحده.
*”الحرب لم تعالج الأزمة، بل دفعتها تحت السطح، لتعود أقوى وأكثر خطورة”*

شاركها.