بعد عامين من التوتر، يبدو أن العلاقات بين فرنسا والجزائر تتجه نحو مرحلة جديدة من التطبيع. جاءت هذه الخطوة الجدية بعد تكليف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوزيرته المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، بمهمة حساسة تهدف إلى تحسين العلاقات المتقلبة بين البلدين، وذلك تزامناً مع قيامها بتمثيل فرنسا في احتفالات ذكرى “مجازر سطيف” في الثامن من مايو، وهو تاريخ يحمل أهمية خاصة للذاكرة الجزائرية.

بادرة فرنسية نحو تطبيع العلاقات مع الجزائر

في خطوة لافتة تحمل رمزية عميقة، كلّف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، بتمثيل بلاده في مدينة سطيف الجزائرية بمناسبة الذكرى المؤلمة لأحداث الثامن من مايو 1945، وهي المظاهرات التي قمعتها السلطات الفرنسية بعنف في مدن سطيف وقالمة وخراطة، مخلفةً آلاف الضحايا. يأتي هذا التكليف في وقت تسعى فيه باريس إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الجزائر بعد أزمة حادة نجمت عن رسالة الرئيس ماكرون حول الصحراء الغربية في صيف عام 2024، والتي تبنى فيها رؤية الرباط، مما أدى إلى تدهور العلاقات بين البلدين.

وصدر بيان رئاسي فرنسي أكد فيه أن “في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يحتفلون بتحرير بلادهم، استمرَّ قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لأسابيع عدة، مخلِّفاً آلاف الضحايا. تلك هي حقيقة تاريخنا، ومن شرف فرنسا أن تواجهها بصدق”. وتعتبر الجزائر أن حصيلة الضحايا بلغت 45 ألفاً، نتيجة استخدام القوات الفرنسية للطائرات لقمع المتظاهرين المطالبين بالاستقلال.

وخلال زيارتها، شاركت الوزيرة روفو نظيرها الجزائري، عبد الملك تشريف، المكلف بالمجاهدين وذوي الحقوق، في مسيرة ومراسم وضع أكاليل الزهور أمام نصب تذكاري، تخليداً لذكرى بوزيد سعال، الذي كان مقتله الشرارة التي أشعلت أعمال الشغب التي قوبلت بقمع عنيف. هذه المشاركة الفرنسية في هذه الذكرى، التي تعد قمة في حساسية الذاكرة التاريخية للجزائريين، تمثل إشارة قوية نحو رغبة باريس في معالجة ملفات الماضي المشترك.

مساعٍ فرنسية لرأب الصدع وخلق مستقبل مشترك

تندرج هذه المبادرات الفرنسية ضمن الاستراتيجية الأوسع التي أطلقها الرئيس ماكرون منذ سنوات بهدف “مصالحة الذاكرتين” الفرنسية والجزائرية. ومع ذلك، فإن طموحات باريس تتجاوز مجرد الاعتراف بالماضي، حيث يهدف الإليزيه إلى “إقامة علاقات قائمة على الثقة وواعدة للمستقبل، بما يخدم مصلحة الشعبَين، الفرنسي والجزائري”.

وفي هذا السياق، يتوجب على الوزيرة روفو مناقشة “المراحل المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية” مع الجانب الجزائري، ونقل رغبة الرئيس الفرنسي في “تعزيز النتائج التي تمَّ تحقيقها بالفعل، واستعادة حوار فعّال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف؛ خدمةً لمصلحتنا المشتركة”. تأمل باريس في استغلال التحسن النسبي في العلاقات خلال الأشهر القليلة الماضية للانتقال سريعاً نحو تطبيع كامل، شريطة تسوية القضايا العالقة.

كتجسيد لهذه الرغبة، أمر الرئيس ماكرون بعودة السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتيه، إلى مهامه الديبلوماسية بعد استدعائه قبل عام. ودعت الرئاسة الفرنسية السفير إلى “العمل على جميع جوانب التعاون الثنائي، بروح من المعاملة بالمثل”.

مقدمات أسهمت في انفراج العلاقات

ساهمت عدة عوامل في تمهيد الطريق لهذه الزيارة والتحسن العام في العلاقات. فبعد رحيل وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، عن الحكومة في أكتوبر الماضي، خفَّت حدة التوتر. وقد اتسمت سياسات روتايو بـ”المواجهة” مع الجزائر في قضايا الهجرة والإسلام ومنح التأشيرات، مبرراً ذلك بتمنع الجزائر عن التعاون في المسائل القنصلية وعدم استعادة مواطنيها الذين يفقدون حق الإقامة في فرنسا.

إلى جانب ذلك، كان لبعض القضايا التي أثارت جدلاً كبيراً، مثل اعتقال الصحافي الفرنسي كريستوف غليز في مايو 2024 بتهمة “تمجيد الإرهاب”، والقبض على الكاتب الجزائري بوعلام صنصنال في نوفمبر من العام نفسه، واتهام موظف قنصلي جزائري بالتورط في اختطاف مؤثر جزائري، دور في تأجيج الحملات الإعلامية والسياسية على ضفتي المتوسط، مما قاد إلى فتور في العلاقات وصل إلى حد تبادل طرد دبلوماسيين.

التعاون الأمني والجيوسياسي رغم الخلافات

على الرغم من توقف الزيارات الرسمية، ظلت قنوات التواصل غير المعلنة، المباشرة أو عبر الوساطة، مفتوحة. كما استمر التعاون الأمني والاستخباراتي في مجال مكافحة الإرهاب، نظراً لأهميته لمصالح الطرفين. ويشترك البلدان في القلق إزاء التطورات الجيوسياسية والجيواستراتيجية في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وقد نجحت الوساطة الألمانية في إقناع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالعفو عن صنصال.

تأمل فرنسا أيضاً في أن تسفر التطورات الإيجابية الأخيرة عن الإفراج عن الصحافي كريستوف غليز، خاصة بعد قراره التخلي عن الطعن الصادر بحقه أمام محكمة التمييز، مما قد يسهل حصوله على عفو رئاسي. وكانت زيارة وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير الماضي، محطة مهمة مهدت لهذا التحسن، حيث انتهج الوزير مقاربة براغماتية وتجنب الاستفزازات.

في سياق متصل، كلف الرئيس ماكرون مؤخراً رئيسة “معهد العالم العربي”، آن-كلير لو جاندر، بالقيام بمهمة في الجزائر، وتعتبر زيارة الوزيرة روفو امتداداً لهذه الجهود. كما قامت الوزيرة السابقة سيغولين رويال بزيارتين للجزائر بهدف “تليين” العلاقات.

منعطف جديد محفوف بالمخاطر

دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية منعطفاً جديداً، غير أن هذا لا يلغي احتمالية حدوث انزلاقات مستقبلية نحو التوتر. وأي تصريح أو إجراء تعتبره الجزائر مسيئاً قد يعيد تفجير الأزمات. وما زالت الجزائر لم تتجاوز بشكل كامل تأييد باريس للمقاربة المغربية لملف الصحراء. كما توجد ملفات خلافية أخرى قد تطفو على السطح، مثل قضايا الذاكرة المشتركة، والمطالبات الجزائرية بتعويضات وإجراءات بشأن التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

لا يخفى على أحد أن العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر، وكذلك بين باريس والرباط، مترابطة بشكل وثيق؛ فأي تطور في إحداها ينعكس حتماً على الأخرى. وقد أدت الأزمة الأخيرة المتعلقة بالصحراء إلى نتائج اقتصادية وتجارية ملموسة على العلاقة مع الجزائر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأزمة العالمية في قطاع الطاقة، الناتجة عن حرب الخليج الجديدة، تفرض تحديات كبرى على فرنسا والأوروبيين، مما قد يدفعهم إلى إعادة النظر في علاقاتهم مع الجزائر.

يبقى العفو الرئاسي الجزائري عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز مؤشراً قوياً لقياس مدى التقدم المحرز في مسار تطبيع العلاقات بين الجانبين، وهو ما ستترقبه الأوساط الدبلوماسية والسياسية.

شاركها.