يحاول تجار سوق أم درمان العريق، غرب العاصمة السودانية الخرطوم، إعادة إحياء أعمالهم بعد الدمار الذي خلفته الحرب. يواجه هؤلاء التجار تحديات جمة، من نقص التمويل إلى انقطاع الخدمات الأساسية، لكنهم يتمسكون بالأمل في مستقبل أفضل، رغم طول طريق التعافي الاقتصادي. هذا المقال يسلط الضوء على جهودهم في إعادة بناء حياتهم ومحلاتهم التجارية في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها السودان.
محرقة سوق أم درمان: خسائر فادحة وتحديات مستمرة
مع اندلاع الاشتباكات في السودان في منتصف أبريل 2023، تعرض سوق أم درمان لقصف مكثف أدى إلى تدمير واسع النطاق. احترقت العديد من المحلات التجارية وتضررت البنية التحتية بشكل كبير، مما أدى إلى توقف النشاط التجاري وتعطيل سبل عيش الآلاف. ورغم تحقيق بعض الاستقرار الأمني في المنطقة، لا تزال آثار الدمار واضحة، وتواجه عملية إعادة الإعمار عقبات كبيرة.
تشير التقديرات إلى أن الخسائر المادية في سوق أم درمان تجاوزت المائة مليار دولار، وفقًا للغرفة التجارية. وقد أدت الحرب إلى نزوح العديد من التجار وتوقف حركة البضائع، مما فاقم الأزمة الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، يعاني التجار من نقص في التمويل وصعوبة الحصول على قروض لإعادة بناء محلاتهم.
صعوبات تواجه التجار العائدين
يواجه التجار العائدون إلى سوق أم درمان العديد من التحديات، بما في ذلك انقطاع الكهرباء والمياه، وتدهور الأوضاع الأمنية، وارتفاع أسعار المواد الخام. يعاني الكثيرون من نقص في رأس المال وعدم القدرة على استئجار محلات جديدة أو ترميم المحلات المتضررة.
يقول محمد صلاح، وهو تاجر أدوات مكتبية عاد إلى السوق بعد أشهر من النزوح: “بدأت في ترميم المحل قبل ثلاثة أشهر، وهناك تحسن تدريجي في حركة البيع، لكن الخسائر كبيرة. نستورد البضائع من مصر والصين، والإقبال في المستوى المتوسط، خاصة أن عمل المكتبات مرتبط بالمؤسسات الحكومية التي لم تعد تعمل بكامل طاقتها”.
أما أنور البشير، وهو تاجر آخر، فيقول: “الحياة قبل الحرب كانت مختلفة تمامًا. فقدنا أكثر من عشرين عامًا من العمل التجاري، وحاليًا نبدأ من الصفر. نعاني من انقطاع الكهرباء، وغالب التجار لجأوا للطاقة الشمسية، ونشكو من تردي البيئة وتوالد البعوض”.
التمسك بالأمل وإعادة البناء
على الرغم من التحديات الكبيرة، يظهر التجار في سوق أم درمان إصرارًا على إعادة بناء حياتهم ومحلاتهم التجارية. يقومون بجهود ذاتية لترميم المحلات المتضررة وتنظيف السوق، ويتعاونون مع بعضهم البعض لتبادل الخبرات والموارد.
يقول حمزة علي، وهو تاجر أواني منزلية: “عادت الحياة إلى السوق بصورة شبه طبيعية، وكنت من أوائل العائدين. ما زلنا نعاني من آثار نفسية بسبب الحرب، إلى جانب غياب الكهرباء والمياه، لكننا نأمل أن يسود الأمن والهدوء ويعود المكان إلى سابق عهده”.
ويضيف محمد أحمد عباس أبو مرين، وهو تاجر مشغولات شعبية: “كل السوق تعرضت للسرقة والنهب والتدمير. عدت إلى فتح المحل قبل خمسة أشهر، والوضع الأمني مطمئن، لكننا نواجه صعوبات في توفير خدمات الكهرباء والمياه”.
دور الدولة والمجتمع المدني
يتطلب التعافي الكامل لسوق أم درمان تدخلًا عاجلاً من الدولة والمجتمع المدني. يجب على الحكومة تقديم دعم مالي وتسهيلات ائتمانية للتجار المتضررين، وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي. كما يجب على المجتمع المدني تقديم المساعدة الإنسانية والدعم النفسي للتجار وعائلاتهم.
وطالب التجار بتقديم إعفاءات ضريبية جزئية، وتعويضات عن الخسائر التي لحقت بهم، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لممارسة النشاط التجاري. كما أكدوا على أهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار في السوق.
نظرة مستقبلية
لا يزال مستقبل سوق أم درمان غير واضح، لكن التجار يتمسكون بالأمل في أن يعود السوق إلى سابق عهده كمركز تجاري حيوي ومزدهر. يتوقف ذلك على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وتوفير الدعم المالي واللوجستي اللازم، وتعزيز التعاون بين الدولة والمجتمع المدني. من المتوقع أن تستغرق عملية إعادة الإعمار سنوات، لكن الإرادة القوية للتجار والإصرار على الحياة قد يساهمان في تحقيق هذا الهدف. يجب متابعة تطورات الوضع الأمني والاقتصادي في السودان، وتقييم مدى فعالية جهود إعادة الإعمار في سوق أم درمان.
