الدبيبة يطالب بوقف تمويل المشروعات رسمياً: حرب سيولة أم استقرار اقتصادي؟
تصاعدت حدة الخلاف السياسي في ليبيا عقب مطالبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، المصرف المركزي بوقف تمويل المشروعات للعام المالي 2026 “على الجميع دون استثناء”. تأتي هذه الخطوة في سياق جدل متنامٍ حول الإنفاق الموازي وتأثيره على الاقتصاد الليبي، وسط انقسام مؤسسي متجذر.
تأتي مطالبة الدبيبة هذه في أعقاب اتهامات وجهها له أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، بتضليل الرأي العام وابتزاز المؤسسات. أفاد حماد بأن إجمالي ما أنفقته حكومة الوحدة خلال خمس سنوات بلغ نحو 826 مليار دينار ليبي، منها حوالي 227 مليار دينار خُصصت لمبادلة الوقود، مشيراً إلى أن الدولار يعادل 6.32 دينار في السوق الرسمية.
وقف تمويل المشروعات: طلب رسمي من الدبيبة
وجّه الدبيبة خطاباً رسمياً، مساء الخميس، إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، يطالب فيه بـ”إيقاف الصرف على (الباب الثالث) فيما يخص تمويل المشروعات للعام المالي 2026 على الجميع دون استثناء، إلى حين الالتزام الكامل بأحكام البرنامج التنموي الموحد”.
وحذر الدبيبة من تداعيات “الإنفاق الموازي”، الذي قدّر أنه تجاوز 70 مليار دينار، مما أدى إلى ارتفاع الدين العام والتضخم وانخفاض قيمة الدينار. وأكد أن التنمية حق لجميع الليبيين في الشرق والغرب والجنوب، شريطة الالتزام بالضوابط المالية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
يُذكر أن ممثلي مجلسي النواب والدولة وقعوا في نوفمبر الماضي على اتفاق “البرنامج التنموي الموحد”، الذي رحب به مصرف ليبيا المركزي كخطوة لتوحيد قنوات الإنفاق وموازنة موحدة للبلاد، وعدّه البعض فرصة لإحياء مشاريع إعادة الإعمار المتوقفة.
وأوضح الدبيبة أنه طلب رسمياً من محافظ مصرف ليبيا المركزي وقف الصرف على باب التنمية في حال عدم التزام الأطراف الأخرى ببنود الاتفاق، وذلك تفادياً لتأثير ذلك على حياة المواطنين. وأعرب عن أمله في أن يساهم “البرنامج الموحد” في تجاوز ليبيا لأزمتها الاقتصادية.
الإنفاق الموازي: أزمة الانقسام المؤسسي
يواصل الدبيبة اتهاماته لخصمه حماد بالتوسع في “الإنفاق الموازي”. وخلال كلمة متلفزة بمناسبة ذكرى ثورة 17 فبراير، أفاد الدبيبة بأن حجم “الإنفاق الموازي” تجاوز خلال السنوات الثلاث الماضية 300 مليار دينار.
أصبح هذا النوع من الإنفاق، الذي يتزايد الحديث عنه منذ بداية العام الماضي، محور صراع بين الحكومتين المتنافستين على السلطة، حيث يدير كل طرف منظومته المالية الخاصة في ظل الانقسام المؤسسي.
ويرى الدبيبة أن “الإنفاق الموازي” تسبب في تصاعد معدلات التضخم، وتراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، وخلق أعباء مباشرة على معيشة المواطنين. وأشار إلى أن المؤشرات النقدية تشير إلى أن التوسع في الصرف خارج السقوف المعتمدة ولّد طلباً إضافياً على النقد الأجنبي، ونشّط السوق الموازية، وضغط على سعر الصرف.
من جانبه، انتقد المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط، خطوة الدبيبة، معتبراً أنها قد تؤثر سلباً على مشاريع إعادة الإعمار. وقال إن “الإعمار نهض بعدد من المدن وأعاد لها الحياة، ومن الأفضل أن تُصرف المليارات في هذا المجال، بدلاً من أن تذهب إلى جيوب مافيات الاعتمادات والتهريب، أو تُقدَّم هدايا لشراء دعم دول في المحافل الدولية”.
ويعتقد قشوط أن إجراء الدبيبة يمكن تفسيره في ثلاثة اتجاهات: الأول هو “إعلان الحرب على كل المواطنين في شرق ليبيا وجنوبها”، والثاني هو “الضغط من أجل الدخول معه في صفقة”، أما الثالث فهو السير بمبدأ “عليّ وعلى أعدائي”.
مستقبل القرار المركزي والتأثيرات الاقتصادية
يقود بلقاسم حفتر، نجل قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، ملف إعادة الإعمار في مدن عدة بشرق وجنوب ووسط ليبيا، عبر “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا” الذي يترأسه.
وكان حماد، بعد أن صعد من اتهاماته للدبيبة، قد دعاه إلى الانسحاب من المشهد السياسي معه، قائلاً: “إذا كانت هذه الأخطاء التي ينسبها كل طرف للآخر، وإذا كان وجودنا جميعاً عائقاً في سبيل استقرار وتوحيد ليبيا، فلماذا لا نخرج جميعاً من المشهد ونترك المجال لغيرنا لتوحيد المؤسسات وجمع الكلمة؟”.
ولم يتضح بعد كيف سيتعامل مصرف ليبيا المركزي مع توجيهات الدبيبة، خاصة وأن رئيسه عيسى يأتمر بأوامر مجلس النواب في شرق ليبيا. ويُنظر إلى غياب ميزانية موحدة في ظل الانقسام على أنه يزيد من تأزم الوضع المالي ويعيد التوتر إلى المركزي، الذي عانى من الانقسام لفترة طويلة.
أدت أزمة الإنفاق بدون ميزانية موحدة إلى تفاقم التضخم وانخفاض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، حيث وصل سعره في السوق الموازية إلى 9.60 دينار للدولار. كما اضطرت ليبيا إلى تعديل سعر الدينار مقابل الدولار الأمريكي وإضافة رسوم ضريبية لشرائه، مما فاقم الوضع المعيشي والقدرة الشرائية للمواطنين.
يُذكر أن محافظ المصرف المركزي كان قد طالب وزارة الداخلية في طرابلس باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لوقف السوق الموازية ومعاقبة المتداولين بالعملات الأجنبية خارج الإطار الرسمي. يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المصرف المركزي على تطبيق قرار الدبيبة، ومدى تأثيره على مستقبل الاستقرار المالي في ليبيا.
