مشروع قانون مصري لزيادة تحويلات المغتربين رغم بلوغها مستويات قياسية

في ظل تسجيل تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية، يستعد البرلمان المصري لمناقشة مشروع قانون جديد لتنظيم ودعم هذه التحويلات. يهدف المشروع إلى توفير إطار تشريعي لتعزيز مساهمات المغتربين في الاقتصاد الوطني وتحفيزهم على إرسال مدخراتهم عبر القنوات الرسمية، مع ربط المزايا والحوافز بحجم التحويلات.

يأتي هذا التطور بعد إعلان البنك المركزي المصري عن وصول تحويلات العاملين بالخارج إلى ذروتها التاريخية في عام 2025، حيث قفزت بنسبة 40.5% لتصل إلى حوالي 41.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 29.6 مليار دولار في العام السابق. وشهد ديسمبر 2025 وحده أعلى مستوى شهري على الإطلاق، مسجلاً 4 مليارات دولار، بزيادة قدرها 24% عن ديسمبر 2024.

آليات مشروع القانون لتعزيز تحويلات المغتربين

قدم النائب رضا عبد السلام مشروع قانون بعنوان “ضمانات وحوافز تحويلات المصريين العاملين بالخارج”، بهدف توسيع مظلة الحماية والرعاية للمغتربين، وتعظيم الاستفادة من تحويلاتهم، وتحفيزهم على التعامل مع البنوك والقنوات الرسمية لزيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر. وتُعد هذه التحويلات من الركائز الأساسية لتوفير العملة الصعبة، إلى جانب إيرادات السياحة والصادرات وقناة السويس.

ويتضمن مشروع القانون عدة آليات رئيسية ل تحقيق أهدافه. من أبرزها، مقترح إنشاء “الهيئة الوطنية لرعاية المصريين بالخارج”، التي ستتبع رئاسة مجلس الوزراء. ستتولى الهيئة مهام رعاية شؤون المغتربين، وحماية حقوقهم، وتعزيز ارتباطهم بالوطن، بالإضافة إلى إعداد برامج لتأهيل وتصدير العمالة المصرية، وإبرام اتفاقيات تضمن حقوق المواطنين في دول الإقامة. وتشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء إلى وجود أكثر من 11 مليون مصري مقيم بالخارج حتى عام 2022.

إلى جانب ذلك، يقترح المشروع تأسيس شركة مساهمة تحت اسم “شركة رعاية وإدارة واستثمار أموال المصريين في الخارج”. وسيتم طرح 49% من أسهم هذه الشركة للمصريين بالخارج عبر البورصة، بهدف تمكينهم من توظيف مدخراتهم في مشروعات تنموية داخل مصر.

نظام النقاط التفاضلية والحوافز المقترحة

يقدم مشروع القانون المقترح نظاماً مبتكراً يُعرف بـ “النقاط التفاضلية”. بموجب هذا النظام، سيحصل كل مصري مقيم بالخارج على نقاط تعادل قيمة تحويلاته من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية. تتيح هذه النقاط للمغتربين الاستفادة من مزايا تصاعدية، تشمل تخفيضات جمركية على السيارات والأمتعة الشخصية، واشتراكاً تأمينياً للمعاش، وتخفيضات على تذاكر الطيران مع شركة مصر للطيران، بالإضافة إلى تيسيرات للحصول على أراضي في المدن الجديدة.

كما يتضمن المشروع منح إعفاءات من الرسوم على الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك الحكومية. ومن المتوقع تخصيص نافذة مصرفية مستقلة لمعالجة تحويلات العاملين في الخارج، فضلاً عن دراسة إنشاء فروع للبنوك الحكومية داخل القنصليات لتسهيل تقديم الخدمات المصرفية للمغتربين.

تفاعل وردود فعل حول المشروع

قوبل مشروع القانون بتفاعل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. اعتبرت بعض الحسابات أن المقترح يمثل “مكافأة للمغترب الميسور وعقاباً لنظيره محدود الدخل”، بينما رأى آخرون أن الحوافز المقدمة “لا ترقى لمستوى الحقوق”. وشكك آخرون في إمكانية تمرير المشروع في البرلمان، واصفين إياه بـ “مجرد كلام”.

من ناحية أخرى، ثمن فريق ثالث ما تضمنه المشروع من إعطاء الأولوية للمغترب المصري في الحصول على أراضي المدن الجديدة، مع المطالبة بتقديم حوافز أكبر لتشجيع المصريين على الاستثمار في الداخل مقارنة بالأجانب. وأعرب بعض المغتربين عن قلقهم بشأن ضمانات حفظ أموالهم المستثمرة في المشروعات التنموية، متمنين الحصول على إعفاءات حقيقية بدلاً من التخفيضات، مع التساؤل عن تجاهل المشروع لإعفاء الهواتف الجوالة من الضرائب والرسوم، خاصة بعد إلغاء الإعفاءات الشخصية عليها للمصريين العائدين من الخارج.

تأثير تحويلات المغتربين على الاقتصاد المصري

أشار المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري إلى “التعافي القوي في مصادر النقد الأجنبي”، مرجعاً هذا التعافي إلى تحسن ملحوظ في الأداء الاقتصادي الكلي، مدفوعاً بارتفاع إيرادات السياحة، وزيادة معدلات التصدير، بالإضافة إلى التحسن الكبير في تدفقات تحويلات المصريين العاملين بالخارج. ووجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة والبنك المركزي خلال الفترة الماضية نحو زيادة الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف غراب، أن الارتفاع القياسي في تحويلات المغتربين بنهاية عام 2025، كان بمثابة دعامة أساسية لنمو المركز المالي المصري وزيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي. وأضاف أن هذا النمو، إلى جانب دخول استثمارات أجنبية مباشرة وغير مباشرة بعد توحيد سعر الصرف وتقديم محفزات استثمارية، يؤكد استمرار ارتفاع الاحتياطي النقدي لمصر في الفترة المقبلة.

وشدد غراب على أن تزايد الاحتياطيات الدولية بشكل مستمر ومستدام يعد دلالة قوية على قوة المركز المالي ويعزز الثقة في الاقتصاد المصري، مؤكداً أن زيادة الاحتياطي النقدي تسهم في تأمين احتياجات مصر من السلع الأساسية والاستراتيجية. كما أنه يُعد أحد أهم المؤشرات التي تنظر إليها مؤسسات التصنيف الائتماني، ويمثل عاملاً مهماً للتأمين ضد الصدمات الخارجية، ويؤكد نجاح الإصلاحات النقدية والاقتصادية.

وتوجه الأنظار الآن نحو مناقشة البرلمان لتفاصيل مشروع القانون، وتقييم مدى فعاليته في تحقيق أهدافه، وما إذا كانت الحوافز والضمانات المقدمة ستكون كافية لتشجيع المغتربين على زيادة تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية العالمية.

شاركها.