تصعد «المحكمة العليا» في ليبيا والمجلس الأعلى للقضاء من حدة الخلاف حول صلاحياتهما الدستورية والقضائية، في تطور يهدد الاستقرار القانوني في البلاد. يأتي هذا في ظل جهود مستمرة لإنهاء الجمود السياسي والوصول إلى انتخابات شاملة، بينما تتجه الأنظار نحو مسار الحوكمة الذي ترعاه الأمم المتحدة.

أثار قرار الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بإبطال قوانين متعلقة بنظام القضاء رد فعلًا قويًا من المجلس الأعلى للقضاء، الذي اعتبره تدخلًا في استقلالية السلطة القضائية ومحاولة لتسييسها. هذا الخلاف يمثل تحديًا إضافيًا لعملية الانتقال السياسي في ليبيا.

تصعيد بين السلطة القضائية والمجلس الأعلى للقضاء

حذر المجلس الأعلى للقضاء من «محاولات تسييس الجهاز القضائي» و«العبث به» في هذه المرحلة الحساسة، معتبرًا أن قرارات الدائرة الدستورية تمس من صلاحياته وتشكيله القانوني. وأكد المجلس أنه سيلتزم بوحدة الجهاز القضائي ولن ينساق وراء أي قرارات تصدر عن جهات أخرى.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يعكس صراعًا أوسع بين مختلف الأطراف السياسية في ليبيا، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه وسيطرته على المؤسسات الحكومية. ويأتي هذا الخلاف في وقت تشهد فيه البلاد انقسامًا سياسيًا وعسكريًا مزمناً، مما يزيد من تعقيد الوضع.

خلفية الخلاف الدستوري

يعود أصل الخلاف إلى تعديلات قانونية أجراها مجلس النواب، والتي اعتبرتها الدائرة الدستورية غير دستورية. هذه التعديلات تتعلق بقانون نظام القضاء، وتحديدًا فيما يتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء. وبإبطال هذه التعديلات، فقد المجلس الحالي الأساس الدستوري الذي يقوم عليه، مما يفتح الباب أمام إعادة تشكيله.

لكن المجلس الأعلى للقضاء يرفض هذا التفسير، ويصر على أنه يمثل السلطة الشرعية الوحيدة للهيئات القضائية، وأن أي محاولة لإعادة تشكيله يجب أن تتم وفقًا للقوانين الحالية. هذا الموقف يعكس تمسك المجلس بصلاحياته وسلطاته.

مسار الحوكمة والجهود الانتخابية

في سياق موازٍ، اختتم مسار الحوكمة في الحوار الليبي المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، مناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخابي. يهدف هذا المسار إلى وضع حلول عملية لتعزيز الاستقرار السياسي في ليبيا.

وبحث أعضاء المسار القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، والتوصل إلى اتفاق بشأن الإطار القانوني للانتخابات. وقدموا توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما، لضمان المضي قدمًا في العملية السياسية.

وشددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية – ليبية»، تهدف إلى إيجاد حلول عملية لمستقبل البلاد. كما أكدت على أهمية بناء توافق وطني حول رؤية مشتركة للاستقرار.

بالتزامن مع ذلك، انطلقت عملية الاقتراع لانتخابات المجالس البلدية في عدة بلديات، وسط أجواء منظمة وهادئة. تعتبر هذه الانتخابات خطوة مهمة نحو تعزيز الحوكمة المحلية وتمكين المجتمعات المحلية. وقامت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بعض المراكز، بهدف تعزيز الشفافية.

تأتي هذه التطورات في ظل تحديات كبيرة تواجهها ليبيا، بما في ذلك الانقسام السياسي والعسكري، والوضع الاقتصادي الصعب. ومع ذلك، فإن الجهود المستمرة لإنهاء الجمود السياسي والوصول إلى انتخابات شاملة تمثل بارقة أمل في مستقبل أفضل.

من المتوقع أن يستأنف مسار الحوكمة أعماله في مارس المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد. في الوقت نفسه، ستواصل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات جهودها لاستكمال تشكيل مجلسها وتجهيز البلاد للانتخابات. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توافق بين مختلف الأطراف السياسية حول القضايا الرئيسية، بما في ذلك الإطار القانوني للانتخابات وتقاسم السلطة.

شاركها.