توسعت رقعة الاحتجاجات والإضرابات في أنحاء إيران، مع إغلاق متزايد للأسواق وتصاعد المظاهرات الليلية، مما يعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد. وتسعى الحكومة إلى احتواء الأزمة عبر تشديد الرقابة على الأسعار وملاحقة ما تسميه الاحتكار، بينما تلوح السلطة القضائية بعقوبات صارمة ضد ما تعتبره “اضطرابات”.
وتشهد مدن إيرانية متعددة، بما في ذلك طهران ومشهد وأصفهان، تجمعات احتجاجية ليلية متصاعدة، وفقًا لشهادات وتقارير متداولة على نطاق واسع. وتتركز هذه التجمعات في أحياء رئيسية بالعاصمة، بالإضافة إلى مدن كبرى أخرى في مختلف أنحاء البلاد. وترافق هذه الاحتجاجات هتافات منددة بالوضع الاقتصادي والسياسي، ومطالبات بالتغيير.
اتساع نطاق الإضرابات في إيران
شهدت العديد من المدن الإيرانية إضرابات واسعة النطاق في الأسواق، حيث أغلقت المحال التجارية أبوابها تعبيرًا عن الاحتجاج على الأوضاع المعيشية الصعبة. وامتد الإضراب ليشمل مدنًا ذات أغلبية كردية في غرب البلاد، استجابة لدعوات من أحزاب سياسية ومنظمات مدنية كردية. وتأتي هذه الإضرابات في ظل تدهور مستمر في قيمة الريال الإيراني وارتفاع معدلات التضخم.
في المقابل، سعت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية إلى التقليل من حجم الإضرابات، ونشرت تقارير تظهر استمرار النشاط التجاري في بعض المناطق. ومع ذلك، تشير التقارير الواردة من مختلف المدن إلى أن الإضراب يشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد، بما في ذلك التجارة والخدمات.
تحذيرات قضائية وتشديد الرقابة
أصدرت نيابة طهران تحذيرات شديدة اللهجة إلى العلامات التجارية والمتاجر والشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، متهمة إياها بالتحريض على الاضطرابات. وأعلنت النيابة عن فتح ملفات قضائية ضد عدد من هذه الجهات، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات رادعة ضد أي دعم أو دعوات للاحتجاجات والإضرابات. ويأتي هذا في إطار جهود الحكومة لتشديد الرقابة على الفضاء العام والسيطرة على المعلومات.
بالتوازي مع ذلك، أعلنت الحكومة عن إجراءات جديدة لمكافحة الاحتكار والسيطرة على الأسعار، بما في ذلك تشديد الرقابة على الأسواق وملاحقة المخالفين. وتسعى الحكومة إلى إلقاء اللوم على التجار والمحتكرين في ارتفاع الأسعار، وتبرير سياساتها الاقتصادية.
المظاهرات الليلية وتصاعد التوتر
اكتسبت المظاهرات الليلية زخمًا جديدًا في إيران، وتحولت إلى أحد أبرز ملامح المشهد الاحتجاجي. وتتميز هذه المظاهرات بمرونتها وقدرتها على التمدد من بؤر محدودة إلى أحياء رئيسية في المدن الكبرى. ومع حلول الظلام، باتت التجمعات الليلية تشكل مساحة أكثر أمانًا للمحتجين للتعبير عن آرائهم.
وتشير التقارير إلى استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع في بعض المواقع لتفريق المتظاهرين. كما وردت أنباء عن إطلاق نار في بعض المدن، مما يزيد من حدة التوتر. وتتهم منظمات حقوق الإنسان قوات الأمن باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
وتداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصورًا تظهر حرق إطارات وإشعال النيران في الشوارع، وتدمير ممتلكات عامة وخاصة. كما انتشرت مقاطع فيديو تظهر محتجين وهم يرفعون صورًا لرضا بهلوي، نجل الشاه السابق، ويهتفون بشعارات مناهضة للحكومة.
ردود الفعل الدولية
أعربت العديد من الدول والمنظمات الدولية عن قلقها إزاء الأوضاع في إيران، ودعت إلى احترام حقوق الإنسان والتعبير السلمي عن الرأي. ودعا وزير الخارجية الألماني إلى وقف استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، مؤكدًا أن التعبير السلمي عن الرأي حق للشعب الإيراني. كما أعربت لجنة حماية الصحافيين الدولية عن قلقها إزاء الضغوط التي تمارس على الصحافيين في إيران.
في الوقت نفسه، اتهمت إيران بعض الدول الغربية بالتحريض على الاضطرابات ودعم المعارضة، مؤكدة أنها لن تتسامح مع أي تدخل في شؤونها الداخلية.
الآفاق المستقبلية
من المتوقع أن تستمر الاحتجاجات والإضرابات في إيران في المدى القصير، ما لم يتم اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وتشير التقديرات إلى أن الحكومة قد تتخذ المزيد من الإجراءات القمعية للسيطرة على الاحتجاجات، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوتر والعنف. وستراقب الأوساط الدولية عن كثب التطورات في إيران، وتقييم تأثيرها على الاستقرار الإقليمي والعالمي. ومن المرتقب أن تصدر السلطة القضائية الإيرانية أحكامًا قاسية بحق المعتقلين خلال الاحتجاجات، مما قد يؤدي إلى مزيد من الغضب والاستياء الشعبي.
ما زالت الأزمة الاقتصادية والسياسية في إيران تتفاقم، ولا يبدو أن هناك حلولًا قريبة الأفق. وستظل الأوضاع في إيران غير مستقرة في ظل استمرار التوترات الداخلية والخارجية.
