حلم الأكراد بحكم ذاتي في سوريا يتبدد بعد اتفاق مع دمشق
فقدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يقودها الأكراد، أحد أهم رموز نضالها، حيث أصبح حلم الحكم الذاتي الذي طالما سعى إليه الأكراد السوريون في مهب الريح بعد اتفاقية أبرمت مع دمشق. يعكس هذا التطور خسارة استراتيجية للأكراد بعد سنوات من القتال والتضحيات، وسط تضاؤل الدعم الدولي.
في قاعدة عسكرية بشمال سوريا، تضع روكسان محمد، مقاتلة في وحدات حماية المرأة الكردية، يدها على رشاشها، متحدثة عن المعارك ضد تنظيم «داعش» والتضحيات التي قدمتها، معبرة عن شعور بالضياع والخيبة بعد الاتفاق مع الحكومة السورية. هذه الاتفاقية، التي هدفت إلى دمج القوات والمؤسسات الكردية ضمن السلطة المركزية، أثارت مخاوف عميقة لدى الأكراد بشأن مستقبل الحكم الذاتي الذي نسجوه خلال سنوات الحرب.
تداعيات الاتفاق على الحكم الذاتي الكردي
أعلنت دمشق وقسد في 30 يناير (كانون الثاني) عن اتفاق لدمج تدريجي للقوات والمؤسسات الإدارية الكردية ضمن السلطة المركزية. وتأتي هذه الخطوة تحت ضغط عسكري متزايد من دمشق، مما يمثل ضربة قاصمة لطموحات الأكراد في إقامة نظام شبه مستقل في شمال شرق سوريا.
يقول المحلل المختص بالشأن الكردي، موتلو جيفير أوغلو، إن مصير المقاتلات الكرديات يمثل إحدى القضايا الشائكة، لا سيما وأن للمرأة مكانة رمزية وعالية في النظام السياسي الكردي، حيث تشترك في الإدارة مع الرجال. وتصر روكسان محمد على مواصلة النضال لضمان حقوق المرأة في أي دستور مستقبلي.
بموجب الاتفاق، يتعين على الأكراد دمج قواتهم ضمن الجيش السوري، وتسليم حقول النفط الاستراتيجية والمعابر الحدودية والمطار إلى الحكومة المركزية. ومع ذلك، لا تزال هناك خلافات جوهرية حول آليات التطبيق العملي، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الحكم الذاتي. فبينما ترى دمشق في الاندماج انضماماً كاملاً، يطمح الأكراد إلى الانضمام مع الحفاظ على هويتهم وأولوياتهم.
هذا الاتفاق يمهد فعلياً لنهاية الإدارة الذاتية التي بسطت سيطرتها على مساحات واسعة في شمال وشمال شرق البلاد خلال سنوات النزاع. ويرى وينثروب رودجرز، المحلل في مركز «تشاتام هاوس»، أن الاتفاق ينذر بانتهاء طموحات الأكراد لإقامة نظام فيدرالي أو لا مركزي في سوريا، خاصة مع انسحاب الدعم الأمريكي وتزايد ضغوط دول مؤثرة.
خيبة الأمل من التحول الأمريكي وانشقاق العشائر
لا يخفي الأكراد خيبة أملهم من التحول في موقف واشنطن، داعمتهم الرئيسية. فقد نقلت مصادر مقربة من المشاركين في لقاء بين المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك وقائد قسد مظلوم عبدي، عن براك قوله: «لن نطلق رصاصة واحدة ضد دمشق لأجلكم». هذا الموقف حدّ من قدرة الأكراد على التفاوض بفعالية.
يعبر حسين العيسى، موظف في هيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية، عن شعوره بـ«انكسار للأكراد» بسبب التخلي الأمريكي، معتبراً أن المصالح الأمريكية قد تغيرت بعد هزيمة «داعش». كما يرى أن الضغوط التركية، الحليفة لواشنطن ودمشق، لعبت دوراً في وضع حد للحكم الذاتي الكردي.
كانت مناطق الأكراد سابقاً شبه مستقلة، تتمتع بخصوصية واستقلالية، وهو ما لم يعد قائماً في ظل الوضع الحالي. وبالرغم من تصريحات براك بأن الغرض الأساسي من قسد قد انتهى، إلا أن الولايات المتحدة تواصل تقديم دعم قوي للرئيس أحمد الشرع، الذي يعمل على توحيد البلاد تحت سلطته.
ويأتي اتفاق الاندماج هذا بعد اتهامات متبادلة بالمماطلة في تنفيذه، مما دفع دمشق إلى خيار التصعيد العسكري. ومع ذلك، تجنبت دمشق تكرار سيناريوهات العنف التي شهدتها مناطق أخرى، حيث نسقت مع العشائر العربية في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد لضمان دخول سلس.
شكل المقاتلون العرب نحو نصف عدد قوات قسد، وساهم انشقاقهم المفاجئ في إجبار قسد على الانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور ذواتي الغالبية العربية، والانكفاء إلى معقلها في محافظة الحسكة.
الأكراد، الذين يشكلون نحو مليوني شخص من أصل أكثر من 20 مليون سوري، يعتبرون أنفسهم ضحايا للتمييز والاضطهاد على مدى عقود. وتؤكد روكسان محمد على شعورهم بالحرمان من حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية.
وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر الرئيس الشرع مرسوماً في 16 يناير (كانون الثاني) اعترف فيه بالحقوق الوطنية للأكراد وجعل لغتهم لغة رسمية. إلا أن هذا المرسوم يثير مخاوف لدى الأكراد بشأن مصير أبنائهم الذين تلقوا تعليمهم باللغة الكردية لسنوات.
مستقبل مجهول وبحث عن حقوق
بينما يتجه الأكراد نحو الاندماج القسري، يبقى مستقبل القيادات الكردية والقوات العسكرية، وخاصة وحدات حماية المرأة، غير محسوم. وتشير التقديرات والمحللون إلى أن الأكراد سيواجهون تحديات كبيرة في الحفاظ على حقوقهم وهويتهم الثقافية تحت حكم دمشق.
من المتوقع أن تركز الأيام والأسابيع القادمة على مفاوضات تفصيلية حول آليات تنفيذ الاتفاق، والموقف النهائي من ملف وحدات حماية المرأة، وما سيؤول إليه مستقبل الحكم الذاتي الكردي في ظل التوازنات السياسية والعسكرية المتغيرة على الأرض السورية.
