كشف الجيش اللبناني مؤخراً عن منشأة عسكرية كبيرة يعتقد أنها تابعة لـ”حزب الله” في منطقة جنوب الليطاني، مما أثار جدلاً واسعاً وتساؤلات حول قدرات الحزب العسكرية والرسائل التي تحملها هذه الخطوة. وتضم المنشأة، التي تقع بين بلدتي كفرا وصدقين، أسلحة وذخائر متنوعة، بما في ذلك طائرة مسيّرة قديمة الطراز، مما يشير إلى شبكة لوجستية معقدة. هذا الاكتشاف يأتي في سياق التوترات الإقليمية المستمرة وجهود لبنان الداخلية لحصر السلاح.
وبحسب صور عرضتها وسائل إعلام محلية، عُثر على طائرة من دون طيار من طراز “توبوليف Tu-143 ريس” داخل المنشأة. ويعتقد المحللون العسكريون أن هذه الطائرة، التي صُنعت في الاتحاد السوفياتي في سبعينيات القرن الماضي، كانت تستخدم في مهام الاستطلاع وجمع المعلومات، ولكنها ليست سلاحاً حديثاً أو حاسماً.
تفكيك منشأة “حزب الله” يثير تساؤلات حول الترسانة
يقول الباحث في الشؤون العسكرية مصطفى أسعد إن المنشأة لا تبدو كمخزن تقليدي للأسلحة، بل كمركز رئيسي للتخزين والتوزيع، نظراً لحجمها وبنيتها الهندسية. يشير السقف المرتفع ووجود رافعة داخل المخزن إلى إمكانية التعامل مع الطائرات المسيّرة، وهو ما يميّزها عن مستودعات الأسلحة الأخرى التي تم اكتشافها سابقاً.
الذخائر الموجودة في المنشأة تثير أيضاً تساؤلات. وتم تحديد نوعين مختلفين من الصناديق، بعضها رمادي والآخر أخضر، مما قد يشير إلى مصادر مختلفة للأسلحة. يُرجح خبراء أن الصناديق الرمادية تحتوي على ذخائر إيرانية الصنع، بينما يمكن أن تكون الصناديق الخضراء من أصل سوري.
أبعاد الكشف وأهميته
العميد المتقاعد ناجي ملاعب يرى أن الكشف عن هذه المنشأة يتماشى مع المعلومات التي قدمها الجيش اللبناني سابقاً، والتي تشير إلى انتشار واسع للأسلحة والمسيّرات في جنوب لبنان. ويؤكد ملاعب أن وجود 177 نفقاً و12 ألف جندي دولي و8 آلاف جندي لبناني، بالإضافة إلى المراقبة الجوية الإسرائيلية، يشير إلى أن ما تم اكتشافه في كفرا هو جزء صغير من ترسانة “حزب الله” الأوسع.
تسريب صور المنشأة، كما يوضح ملاعب، يحمل رسائل سياسية وعسكرية مهمة. قد يكون الهدف هو إظهار التزام لبنان بحصر السلاح، خاصةً للولايات المتحدة ولجنة “الميكانيزم” المكلفة بمراقبة تنفيذ هذا الأمر. كما أن الكشف عن منشأة بهذا الحجم يضع الملف بشكل مباشر على طاولة “الميكانيزم”، مما قد يؤدي إلى المزيد من التدقيق والضغط على “حزب الله”.
بالإضافة إلى ذلك، يحمل هذا الكشف رسالة داخلية للرأي العام اللبناني، تؤكد أن الحكومة جادة في قرارها بحصر السلاح. وفيما يتعلق بالسيادة، يرى مراقبون أن هذا يمثل تحولاً في موقع الجيش اللبناني، الذي بدأ يظهر كقوة قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية، حتى في ظل الإمكانات المحدودة.
يأتي هذا التطوير في وقت يشهد فيه لبنان ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي بشأن دور “حزب الله” وتأثيره على الاستقرار الإقليمي. “حزب الله”، من جهته، لم يصدر أي تعليق رسمي على الكشف عن المنشأة، لكن بعض المصادر المرتبطة به قللت من أهميته ووصفته بأنه محاولة لتشويه صورته.
تحليل أعمق: استراتيجية “حزب الله” وتداعيات الكشف
يعتقد بعض المحللين أن هذه المنشأة كانت جزءاً من خطة أوسع لـ”حزب الله” لتطوير قدراته العسكرية، خاصةً في مجال الطائرات المسيّرة. ويرون أن الحزب يسعى إلى امتلاك منظومة متكاملة من الطائرات المسيّرة، قادرة على تنفيذ مهام متنوعة، بدءاً من الاستطلاع وجمع المعلومات وصولاً إلى الهجوم والتخريب.
بينما قد تكون الطائرة المكتشفة قديمة الطراز، فإن هذا لا يقلل من أهمية الاستعدادات التي يقوم بها “حزب الله”. يُظهر هذا الكشف أن الحزب يعمل على الحفاظ على وتطوير مخزونه من الأسلحة والمعدات، حتى في ظل الظروف الصعبة. كما أن وجود هذه المنشأة يثير تساؤلات حول مدى قدرة الجيش اللبناني على مراقبة ومكافحة الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” في جنوب الليطاني.
من الناحية اللوجستية، يرجح أن هذه المنشأة كانت تتلقى إمدادات من سوريا، ربما عبر معابر غير رسمية. هذا يشير إلى استمرار الدعم اللوجستي لـ”حزب الله” من قبل النظام السوري وحلفائه، وهو ما يثير قلقاً بالغاً في الأوساط الدولية.
في الأيام القادمة، من المتوقع أن يستمر الجيش اللبناني في التحقيق في هذه القضية، وأن يحاول تحديد مصدر الأسلحة والمسيّرات، وكذلك تحديد المسؤولين عن إنشاء وتشغيل المنشأة. كما سيلقي هذا الكشف بظلاله على اجتماع لجنة “الميكانيزم” المقبل، ومن المحتمل أن يشكل ضغطاً إضافياً على “حزب الله” للامتثال لقرارات الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي. ستكون متابعة ردود الفعل الإقليمية والدولية على هذا الكشف أمراً بالغ الأهمية في تقييم التداعيات المحتملة.
