زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر: مؤشرات تقارب حقيقية تتجاوز الجمود
عُقدت مشاورات مصرية – سورية في القاهرة على مستوى وزيري الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً منذ فترة. جاءت هذه المشاورات في أعقاب حديث قبل نحو أسبوع جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، ووصفته وسائل إعلام بالبلدين بأنه «ودي». تُمثل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مصر، بحضور وزيري الصناعة في البلدين، مؤشراً على تقارب حقيقي يتجاوز الجمود في العلاقات.
تُعدُّ زيارة الشيباني الأولى الرسمية إلى مصر، في حين جرى أول اتصال رسمي بينه وبين نظيره المصري بدر عبد العاطي في 31 من ديسمبر 2024. تأتي هذه الزيارة بعد أيام من لقاء الشرع والسيسي على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» في قبرص، وتُعتبر خطوة مهمة نحو تفعيل العلاقات المصرية السورية.
زيارة لافتة تعكس حراكاً دبلوماسياً
شهدت العلاقات المصرية – السورية تحركاً نحو اتصالات ثنائية حذرة منذ فترة، لكنها بدأت تتجه نحو تعاون اقتصادي. وقد سبق أن زار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق في بداية عام 2026، لأول مرة منذ 15 عاماً، لبحث التعاون المشترك، وذلك بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتَي تفاهم في مجال الطاقة لـ«التعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا؛ بهدف توليد الكهرباء».
تعكس زيارة الشيباني، بحسب تلفزيون سوريا، «حراكاً دبلوماسياً لافتاً بين دمشق والقاهرة»، وتُعتبر «اختباراً جديداً لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود والتعثر». وتشير التوجهات إلى أنَّ الدولتين تسعيان للدفع بالعلاقة نحو مرحلة أكثر استقراراً، متجاوزتين تعثراً سابقاً حال دون استكمال عودتها بشكل رسمي، لا سيما في ملف اعتماد الدبلوماسيين.
تزامناً مع الزيارة، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، قراراً بتشكيل مجلس الأعمال السوري – المصري، عن الجانب السوري، وكلف غسان كريم رئيساً للمجلس. يأتي هذا التشكيل بناءً على أحكام القرار الرئاسي رقم 9 بتاريخ 2025، وعلى النظام الأساسي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، وهو المجلس الوحيد المعتمد من قبل وزارة الاقتصاد والصناعة السورية لتنسيق وتطوير مجالس الأعمال المشتركة.
مؤشرات إيجابية لكسر الجمود وتعزيز التعاون الاقتصادي
يرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير محمد حجازي، أنَّ زيارة وزير الخارجية السوري إلى القاهرة تمثِّل «مؤشراً إيجابياً على تحرك تدريجي نحو كسر الجمود في العلاقات المصرية – السورية». ويعتقد حجازي أنَّ أي خطوة نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي ستظلُّ مرهونةً بتقدُّم ملموس في الملفات الأمنية والمؤسسية داخل سوريا، مثل ضمان استقرار الدولة الوطنية، وضبط البيئة الأمنية، وتكريس سيادة المؤسسات.
وأكَّد حجازي أنَّ الاقتصاد سيكون باباً لمزيد من التعاون أولاً، نظراً لوجود فرص حقيقية في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والتجارة، وبناء القدرات، مما يمكن أن يشكِّل مدخلاً عملياً لتعزيز الثقة المتبادلة. هذه الرؤية تتوافق مع التحركات الاقتصادية الأخيرة بين البلدين.
بدوره، يرى المحلل السياسي السوري عبد الله الحمد، أنَّ زيارة الشيباني «طيٌّ لصفحة تخوفات مصرية من مرجعية النظام الجديد»، وتحمل فرصاً لكسر الجمود والتقارب مع مصر، الدولة ذات الثقل في المنطقة. ويتوقع الحمد التوصُّل لمستوى من العلاقات الدافئة، في ضوء أحاديث عن لقاءات أمنية سرية سبقت اللقاء لترتيب أجندة التعاون والتقارب.
وأشار الحمد إلى أنَّ اللقاء الاقتصادي الذي سبق ذلك، واستقبال الرئيس الشرع للوفد المصري، يؤكدان أنَّ الاقتصاد سيكون مساراً مهماً لتنامي العلاقات بشكل واسع، وبوابة مثلى لتعزيز التعاون. هذا التوجه الاقتصادي يعزز مستقبل العلاقات السورية المصرية.
معالجة التخوفات المصرية وتنسيق المواقف الإقليمية
كشف بيان لوزارة الخارجية المصرية أنَّ عبد العاطي والشيباني، عقدا جلسة مباحثات موسعة، بمشاركة وزيري الصناعة في البلدين. تناولت المباحثات سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة. أكَّد الوزير المصري دعم مصر المتواصل لدمشق وعمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية بين البلدين، مشيراً إلى أنَّ موقف القاهرة استند إلى مبادئ واضحة لدعم استعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة سوريا.
وشدَّد عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية، ورفض التدخلات الخارجية، وتضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف، والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وأن تكون سوريا مصدراً للاستقرار. على الصعيد الإقليمي، أعرب عن رفض مصر القاطع لانتهاكات إسرائيل للسيادة السورية، مجدداً إدانة مصر التامة لهذه الانتهاكات، ومؤكداً موقف مصر الداعم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.
كما ناقشت المباحثات التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وجهود خفض التصعيد، وتبادل الرؤى حول تطورات الأوضاع في لبنان. وفي هذا السياق، يعتقد حجازي أنَّ التقارب ممكن، لكنه سيتقدم وفق نهج تدريجي حذر يوازن بين الفرص والتحديات في ظلِّ تعقيدات الإقليم ومستقبل الأوضاع في سوريا.
يرى المحلل السياسي عبد الله الحمد أنَّ الملفات الاقتصادية والأمنية، وحزم التنسيق الدبلوماسي في ظلِّ الخطر الإسرائيلي، ستكون في أولوية البلدين، مع معالجة أي تخوفات مصرية بالتوازي. وتمرُّ دمشق بمرحلة انتقالية من الثورة لبناء الدولة، وهي جاهزة لحل أي تحديات قد تواجه علاقات البلدين.
في الختام، تشير التطورات الأخيرة إلى مسار تدريجي نحو استعادة العلاقات المصرية السورية لدورها الطبيعي، مع التركيز على التعاون الاقتصادي وتنسيق المواقف الإقليمية. يبقى المستقبل مرهوناً بالتقدم في معالجة الملفات الأمنية المؤسسية في سوريا، وتعزيز الثقة المتبادلة بين البلدين.
