بعد سنوات من الصراع والدمار، يشهد السودان عودة تدريجية للحياة الثقافية والفنية، حيث بدأت جهود ترميم وإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها المسرح القومي في أم درمان. يمثل افتتاح المرحلة الأولى من المسرح القومي إيذاناً بعودة الأنشطة الفنية والثقافية إلى الواجهة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي وتجاوز آثار الحرب.

شهد حفل الافتتاح حضوراً بارزاً من القيادات الحكومية، بما في ذلك عضو مجلس السيادة الانتقالي إبراهيم جابر، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر، بالإضافة إلى مجموعة من الفنانين والمثقفين وجمهور من مدينة أم درمان. يأتي هذا الافتتاح في ظل جهود متواصلة لإعادة بناء البنية التحتية الثقافية المتضررة من الحرب.

عودة المسرح القومي: رمز للأمل والتسامح

أكد والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، على أهمية الثقافة في بناء السلام والمصالحة المجتمعية، مشيراً إلى أن الثقافة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في ترميم النسيج الاجتماعي المتصدع. وتعهد بتلبية مطالب جماعة “إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون” المتعلقة بالتمويل والدعم اللوجستي للمسرح.

وشمل حفل الافتتاح عروضاً ثقافية متنوعة، بما في ذلك عروض مسرحية وأغنيات وطنية وفواصل شعرية، تهدف إلى ترسيخ قيم التسامح والسلام ونبذ الكراهية والعنصرية. وتعكس هذه العروض التزام الفنانين السودانيين بتقديم أعمال فنية تعبر عن آمالهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل.

أهمية المسرح في حفظ الذاكرة الوطنية

أشار وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، إلى أن عودة المسرح القومي تمثل عودة للثقافة إلى قلب الحياة السودانية، مؤكداً على أن الفن والمعرفة هما ركيزتان أساسيتان في بناء السودان الجديد. وأوضح أن المسرح يلعب دوراً مهماً في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية.

يُعد المسرح القومي، الذي افتتح رسمياً عام 1959، من أبرز المعالم الثقافية في أم درمان، وقد شهد على مدار تاريخه العديد من العروض والفعاليات التي ساهمت في إثراء الحياة الثقافية في السودان. وقد تأثر المسرح بشدة بسبب الحرب، مما استدعى جهوداً مكثفة لإعادة ترميمه وتأهيله.

جهود إعادة الإعمار والتحديات المستقبلية

أوضح رئيس جماعة “إعادة إعمار المسارح للثقافة والفنون”، طارق البحر، أن المسرح يمثل نقطة التقاء لجميع أهل السودان بفنونهم المختلفة، داعياً إلى توفير الدعم اللازم لإعادة المسرح إلى سابق عهده. وطالب البحر بتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة، واعتماد التمويل المسرحي، وإعادة تنظيم المهرجانات والفعاليات الثقافية.

كما دعا إلى إنتاج أعمال مسرحية تحت عنوان “مهرجان مسرح الكرامة” للتعبير عن نبذ خطاب الكراهية والدعوة إلى الوحدة والسلام. ويرى البحر أن المسرح يمكن أن يلعب دوراً فعالاً في معالجة آثار الحرب وتعزيز قيم التسامح والتعايش.

أكد الطيب سعد الدين، وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، على أن الثقافة والفنون تقود مسيرة الحياة، وأن الرسائل الصادرة من الفضاء الثقافي تحمل دلالة واضحة على عودة الحياة. وأشار إلى أن استئناف الأنشطة الثقافية والفنية يمثل تجاوزاً للاهتمام بالاحتياجات الأساسية، والانتقال إلى مرحلة الإبداع والتنمية.

ألحقت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أضراراً بالغة بالقطاع الثقافي والفني في السودان، مما أدى إلى تضرر العديد من المؤسسات والمساحات الإبداعية. ومع ذلك، يواصل الفنانون والمثقفون السودانيون جهودهم لإعادة إحياء الحياة الثقافية والفنية، والمساهمة في بناء مستقبل أفضل للبلاد. وتشير التقديرات إلى أن القطاع الثقافي يحتاج إلى دعم كبير لإعادة بنائه.

من المتوقع أن تستمر جهود إعادة تأهيل المسرح القومي خلال الأشهر القادمة، مع التركيز على توفير المعدات والأجهزة اللازمة، وتدريب الكوادر الفنية، وإعداد برنامج حافل بالفعاليات والأنشطة الثقافية. وستعتمد عملية إعادة الإعمار على الدعم الحكومي والمساهمات من القطاع الخاص والمجتمع المدني. وستراقب الأوساط الثقافية عن كثب مدى توفر التمويل اللازم، والتزام الحكومة بدعم الفنون في السودان، وتأثير هذه الجهود على عودة الحياة الطبيعية إلى البلاد.

شاركها.