على مدار ما يقرب من 15 عامًا، شهدت المنطقة توترات بشأن بناء إثيوبيا لسد النهضة على النيل الأزرق. أثار المشروع جدلاً واسعاً بين مصر والسودان وإثيوبيا، حيث تسعى الدول الثلاث للوصول إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد يضمن حقوق جميع الأطراف. وقد شهدت هذه القضية جولات متعددة من المفاوضات، لم تثمر حتى الآن عن حل نهائي، مما يجعل مستقبل سد النهضة محوراً رئيسياً للأمن الإقليمي.

بدأت الخلافات تتصاعد بعد إعلان أديس أبابا عن عزمها بناء السد، مما أثار مخاوف لدى مصر والسودان بشأن حصتيهما من مياه النيل. تسعى كل دولة لحماية مصالحها المائية، مع التأكيد على أهمية التعاون الإقليمي لتحقيق التنمية المستدامة. وتعتبر قضية المياه من القضايا الحساسة في المنطقة، نظراً لأهميتها الحيوية للأمن الغذائي والاقتصادي.

مراحل مفاوضات سد النهضة: نظرة عامة

شهدت المفاوضات بشأن سد النهضة العديد من المراحل والمنعطفات، بدءًا من الاتفاقات الأولية على إجراء الدراسات الفنية، وصولًا إلى تدخلات دولية ورعايات إقليمية. ومع ذلك، لم يتمكن الأطراف الثلاثة من التوصل إلى اتفاق شامل وملزم قانونًا حتى الآن.

الجهود المبكرة والدراسات الفنية

في سبتمبر 2011، اتفق رئيسا وزراء مصر وإثيوبيا على تشكيل لجنة دولية لدراسة الآثار المحتملة للسد على دولتي المصب. بدأت اللجنة أعمالها في مايو 2012، وضمّت خبراء من الدول الثلاث بالإضافة إلى خبراء دوليين. وقد أصدرت اللجنة تقريرًا في مايو 2013، دعت فيه إلى إكمال الدراسات لتقييم آثار السد، لكن المفاوضات توقفت بسبب خلافات حول آلية إجراء هذه الدراسات.

لاحقاً، في يونيو 2014، تم استئناف المفاوضات بعد لقاء بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي. وفي سبتمبر من نفس العام، اتفقت اللجنة الفنية على اختيار مكتبين استشاريين لإجراء الدراسات المطلوبة. وشهدت هذه المرحلة توقيع “إعلان المبادئ” في مارس 2015، والذي نص على إعداد الدراسات الفنية في غضون 11 شهرًا، مع التزام إثيوبيا بعدم الإضرار بدولتي المصب.

التدخلات الدولية والرعاية الإقليمية

على الرغم من إعلان المبادئ، استمرت الخلافات حول تفاصيل الدراسات الفنية وآلية تنفيذها. وفي نوفمبر 2019، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية كوسيط بين الدول الثلاث، واستضافت سلسلة من الاجتماعات بهدف التوصل إلى اتفاق. وقد شهدت هذه الاجتماعات توافقًا مبدئيًا على بعض البنود، لكنها لم تثمر عن حل نهائي.

في أعقاب ذلك، تولت الاتحاد الأفريقي رعاية المفاوضات، وعقدت عدة اجتماعات في العاصمة الكونغولية كينشاسا في أبريل 2021. ومع ذلك، انتهت هذه المفاوضات بالفشل، بسبب إصرار إثيوبيا على المضي قدمًا في عملية الملء الثاني للخزان. وقد أدى ذلك إلى تصعيد التوترات وتقديم مصر لطلب إلى مجلس الأمن الدولي لبحث الأزمة.

الوضع الحالي والآفاق المستقبلية

في يوليو 2023، اتفق الرئيس المصري مع رئيس الوزراء الإثيوبي على استئناف التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد في غضون أربعة أشهر. لكن في ديسمبر 2023، أعلنت الحكومة المصرية توقف مسار المفاوضات، مشيرة إلى استمرار أديس أبابا في نهجها السابق.

تظل قضية سد النهضة معلقة، وتعتمد الآفاق المستقبلية على مدى استعداد الأطراف الثلاثة لتقديم تنازلات والتوصل إلى حلول وسط. من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية والإقليمية لحث الأطراف على استئناف المفاوضات الجادة. وتعتبر الرؤية المشتركة لإدارة موارد المياه بشكل مستدام، مع مراعاة مصالح جميع الأطراف، ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي وتجنب المزيد من التصعيد.

وتشمل القضايا الرئيسية التي لا تزال بحاجة إلى حل، آلية تبادل البيانات، وآلية حل النزاعات، وضمانات قانونية ملزمة لضمان عدم الإضرار بالأمن المائي لمصر والسودان. بالإضافة إلى ذلك، فإن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، مثل الصراعات الإقليمية والتغيرات المناخية، قد تؤثر على مسار المفاوضات. (التعاون الإقليمي، الأمن المائي، التنمية المستدامة)

شاركها.