في قلب دمشق القديمة، تشهد بيوت دمشق العتيقة تحولاً حيوياً لاستعادة مجدها الغابر. بعد سنوات من المعاناة بسبب الحرب والحصار، انطلقت جهود ترميم واسعة النطاق لإعادة إحياء هذه الجواهر المعمارية التي تعكس تاريخاً عريقاً وثقافة أصيلة. يهدف المشروع إلى ليس فقط الحفاظ على هذه المباني التاريخية، بل أيضاً إحياء المنطقة المحيطة بها، وتقديمها كوجهة ثقافية وسياحية متميزة.
تتوزع هذه البيوت في حارات دمشق الضيقة، وتتميز بتصميمها الفريد الذي يجمع بين الفن الإسلامي والعمارة الشامية التقليدية. تشتهر هذه المنازل بباحاتها الداخلية المزينة بالنوافير المائية (البحرات) وأشجار الحمضيات والياسمين، وإيواناتها الأنيقة، وتفاصيلها المعمارية الدقيقة. وقد أصبحت هذه البيوت رمزاً للهوية الدمشقية، ومصدر إلهام للفنانين والأدباء.
استعادة بيوت دمشق العتيقة: مشروع متكامل
يتضمن مشروع الترميم ثلاثة بيوت أثرية رئيسية: بيت السباعي، وبيت نظام، وبيت القوتلي، وهي مملوكة لمحافظة دمشق. بدأ العمل في عام 2008، وتعطل بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي مرت بها سوريا، لكنه استأنف بجهود مشتركة بين محافظة دمشق وصندوق الآغا خان للثقافة.
وقد بدأ صندوق الآغا خان للثقافة بتوثيق دقيق لكل موقع باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية. وقبل الشروع في أعمال الترميم، تم إجراء مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضيات لتحديد الأضرار وتقييم حالة المباني. يركز العمل على إصلاح الأجزاء المتضررة، وترميم الزخارف الأصلية، والحفاظ على الطابع المعماري الفريد لكل بيت.
بيت السباعي: تحفة معمارية من القرن الثامن عشر
يُعتبر بيت السباعي نموذجاً مثالياً للعمارة الدمشقية القديمة في القرن الثامن عشر. يتميز بتصميمه الأنيق وزخارفه الغنية، واستخدامه لمواد بناء متنوعة مثل الحجر البازلتي والرخام الإيطالي. يضم البيت فسحة سماوية (أرض الديار) وبحرة وإيواناً جنوبياً وقاعة رئيسية لاستقبال الضيوف.
أعمال الترميم في بيت السباعي تتقدم بشكل جيد، حيث تم الانتهاء من جزء كبير من الإصلاحات. ويركز فريق الترميم حالياً على إزالة الطبقات غير الأصلية من الزخارف الخشبية وإعادة الألوان الأصلية إلى القاعة الرئيسية. و قد تبين أن اللون الأخضر الذي طغى على الزخارف لم يكن اللون الأصلي، بل طبقة واقية حديثة.
بيت القوتلي: لمسة من العصر الباروكي
يعود بيت القوتلي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويتميز بلمسة من الطراز الباروكي الأوروبي المنتشر في دمشق في تلك الفترة. ومع ذلك، فإنه يحافظ على روح البيوت الشامية التقليدية، حيث يضم فسحة سماوية وبحرة وإيواناً جنوبياً. يُعتقد أن الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي ولد في هذا البيت.
يتطلب ترميم بيت القوتلي جهداً كبيراً بسبب الأضرار التي لحقت به خلال فترة إقامتة اسراً فلسطينية مهجرة. تتضمن أعمال الترميم إعادة بناء الجدران والأسقف، وترميم الزخارف الأصلية، واستخدام نفس نوعية الخشب المستخدمة في البناء الأصلي.
بيت نظام: رمز للهوية الدمشقية
يعتبر بيت نظام واحداً من أجمل وأكبر البيوت العتيقة في دمشق. يتميز بتصميمه الفخم وزخارفه المنمقة، وثلاث باحات داخلية متصلة. وقد استضاف البيت تصوير العديد من مشاهد مسلسل «باب الحارة» الشهير.
تجري حالياً أعمال الترميم في بيت نظام، مع التركيز على إصلاح الأضرار التي لحقت بالجدران والأسقف والزخارف. يهدف المشروع إلى إعادة هذا البيت إلى مجده السابق، والحفاظ على هويته المعمارية والثقافية الفريدة. ويشمل الترميم أيضاً العناية بالحدائق الداخلية التي تزين البيت بأشجار الحمضيات والياسمين.
الحفاظ على التراث: تتجه شبكة الآغا خان للتنمية نحو تطوير شامل للمنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، على غرار تجربة تطوير الدرب الأحمر في القاهرة. يهدف هذا التطوير إلى تحويل المنطقة إلى وجهة ثقافية وسياحية جاذبة، مع الحفاظ على الطابع التاريخي والأصالة للمكان. وقد طلبت مديرية السياحة والآثار السورية إدراج منطقة باب توما ضمن نطاق المشروع.
من المتوقع أن يكتمل مشروع الترميم والتطوير بحلول نهاية عام 2026. لكن نجاح هذا المشروع يعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك رفع الحصار الاقتصادي عن سوريا، وتوفر التمويل اللازم، واستمرار التعاون بين محافظة دمشق وصندوق الآغا خان للثقافة. وسيظل الوضع الاقتصادي و استقرار المنطقة المحيطة من العوامل الهامة التي يجب مراقبتها لضمان استكمال المشروع بنجاح.
