قبل سنوات من الآن، شهدت صناعة التلفزيون اللبنانية تراجعًا ملحوظًا بسبب الأزمات الاقتصادية والتحول نحو المنصات الرقمية. ومع ذلك، استطاع برنامج «يلا ندبك» أن يعيد الأمل إلى الشاشة اللبنانية، ويُحيي الإنتاجات الفنية المحلية من خلال احتضانه التراث والرقص الشعبي.
شهدت السنوات الأخيرة إرجاء العديد من الإنتاجات التلفزيونية اللبنانية الضخمة بسبب نقص التمويل وتراجع الإعلانات. هذا الوضع دفع العديد من العاملين في المجال إلى الاعتقاد بأن الشاشة المحلية ستفقد بريقها، لكن برنامج «يلا ندبك» قلب هذه التوقعات رأسًا على عقب، وأثبت أن الإبداع اللبناني لا يزال قادرًا على المنافسة.
«يلا ندبك»: عودة الوهج إلى الشاشة اللبنانية
بعيدًا عن برامج المواهب التقليدية، تميز برنامج «يلا ندبك» بتركيزه على فن الدبكة اللبنانية، وهو جزء أصيل من الثقافة والتراث اللبناني. البرنامج عبارة عن مسابقة حماسية تجمع فرق الدبكة من مختلف المناطق اللبنانية، وتتيح لهم عرض مهاراتهم وإبداعاتهم أمام الجمهور ولجنة تحكيم متخصصة.
البرنامج لم يقتصر على عرض الرقص فحسب، بل سعى إلى إبراز التنوع الثقافي في لبنان من خلال استضافة فرق من الشمال والجنوب والبقاع وبيروت، وكل منها يعرض أسلوبه الخاص في الدبكة. كما تضمن البرنامج تقارير مصورة عن تاريخ الدبكة وروادها، مما أضفى عليه بعدًا تعليميًا وثقافيًا.
تحديات الإنتاج ونجاح غير متوقع
واجه فريق البرنامج العديد من التحديات، أبرزها شح الأغاني الفولكلورية المناسبة لإيقاع الدبكة. للتغلب على هذا التحدي، قام المخرج كميل طانيوس بإعادة توزيع بعض الأعمال الفنية الكلاسيكية لفنانين لبنانيين كبار مثل صباح وفيروز ووديع الصافي، بالإضافة إلى استخدام أغاني معاصرة لفنانين مثل فارس كرم.
أشار المخرج كميل طانيوس في حديث لوسائل الإعلام إلى أن البرنامج يهدف إلى الحفاظ على التراث اللبناني وتعزيزه، وإتاحة الفرصة للمواهب الشابة لإبراز قدراتها. وأضاف أن نجاح البرنامج يعود إلى فريق العمل المتكامل، والمنتجة ناي نفاع، ومدير البرامج كريستيان الجميل، وجميع العاملين خلف الكواليس.
على الرغم من الانتقادات المسبقة التي توقعت فشل البرنامج، إلا أنه حقق نجاحًا باهرًا، وتصدر نسب المشاهدة واحتل صدارة الترند في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا النجاح فاق توقعات الجميع، وأثبت أن الجمهور اللبناني لا يزال يتوق إلى البرامج التي تحتفي بثقافته وتراثه.
تأثير البرنامج على صناعة التلفزيون المحلية
يعتبر برنامج «يلا ندبك» بمثابة نقطة تحول في صناعة التلفزيون اللبنانية، حيث أظهر أن الإنتاجات المحلية لا تزال قادرة على جذب الجمهور وتحقيق النجاح. البرنامج دفع محطات التلفزيون الأخرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الإنتاجية، والتركيز على البرامج التي تعكس الهوية الثقافية اللبنانية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم البرنامج في إحياء فن الدبكة، وزيادة الاهتمام بالتراث اللبناني. كما أتاح الفرصة لفرق الدبكة المحلية لعرض مهاراتها وإبداعاتها أمام جمهور واسع، مما ساهم في دعمهم وتشجيعهم.
البرنامج لم يقتصر تأثيره على لبنان فحسب، بل لاقى استحسانًا كبيرًا من قبل الجاليات اللبنانية في الخارج، الذين اعتبروه وسيلة للتواصل مع وطنهم والحفاظ على ثقافتهم.
من المتوقع أن ينتهي عرض برنامج «يلا ندبك» قبل شهر رمضان 2026. وفي الوقت الحالي، لا توجد معلومات مؤكدة حول ما إذا كان سيتم تجديد البرنامج لموسم آخر. ومع ذلك، فإن النجاح الذي حققه البرنامج في موسمه الأول يشير إلى أنه قد يكون له مستقبل واعد على الشاشة اللبنانية. وسيبقى التفاعل الجماهيري ومقترحاتهم حول تطوير البرنامج مؤشرًا رئيسيًا على مصيره.
البرنامج يمثل فرصة لإعادة إحياء الدراما والبرامج اللبنانية، ويثبت أن الاستثمار في المحتوى المحلي يمكن أن يكون مجديًا ومؤثرًا. الخطوة التالية ستكون في تقييم الأثر الاقتصادي للبرنامج على قطاع الإعلام اللبناني، وتحديد ما إذا كان يمكن تكرار هذه التجربة في مجالات أخرى.
