كشفت دراسة أسترالية حديثة عن أن ارتفاع وزن الأطفال في مراحل مبكرة من حياتهم لا يعني بالضرورة أنهم سيواجهون مشاكل السمنة في المستقبل، مما قد يخفف من قلق العديد من الآباء والأمهات. وأوضحت الدراسة، التي نشرت نتائجها في مجلة “Nature Communications”، أن العوامل الجينية المؤثرة في وزن الرضيع قد تختلف عن تلك التي تحدد وزن الجسم خلال مرحلة المراهقة، مما يشير إلى أن مسار نمو الأطفال أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. هذه النتائج تقدم منظورًا جديدًا حول تقييم نمو الأطفال وتترك الباب مفتوحًا أمام فهم أعمق للعلاقة بين الوزن المبكر والصحة المستقبلية.
دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً
أظهرت أبحاث علمية أجراها باحثون من جامعة كوينزلاند في أستراليا أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الأطفال في سن مبكرة لا ينبغي أن يُفسَّر تلقائياً بوصفه مؤشراً دائماً على خطر الإصابة بالسمنة لاحقاً. تعتمد هذه الخلاصة على تحليل بيانات 6291 طفلاً شاركوا في دراسة “أطفال التسعينات” التابعة لجامعة بريستول، حيث استخدم الباحثون نماذج تحليلية متقدمة لاستكشاف دور العوامل الوراثية في اختلاف مسارات الوزن بين عمر عام واحد و18 عاماً. وأظهرت النتائج أن الإسهام الجيني في هذه التغيرات يظل محدوداً نسبياً، ولا يتجاوز نحو الربع.
وفي تصريحات له، قال الدكتور غينغ وانغ: “إن كثيراً من الآباء يشعرون بقلقٍ مشروع عندما يلاحظون زيادة مبكرة في وزن أطفالهم أو نمواً مختلفاً عن أقرانهم”. وأضاف أن النتائج تشير إلى أن التباين الجيني قد يكون أحد أسباب هذه الفروق الطبيعية، موضحاً أن العوامل الجينية المرتبطة بحجم جسم الرضيع ليست بالضرورة هي نفسها التي تحدد حجم الجسم في مرحلة المراهقة. وأكد أن اختلاف حجم الجسم في الطفولة المبكرة لا يعكس حتماً خطراً دائماً للإصابة بالسمنة، وهو ما تمثل فيه دراسة وزن الأطفال الحديثة نقطة تحول.
أهمية قياسات الوزن في مراحل عمرية محددة
على الرغم من أن وزن الأطفال المبكر ليس مؤشراً قاطعاً على السمنة المستقبلية، إلا أن الدراسة تلفت الانتباه إلى أهمية مؤشر كتلة الجسم عند حدود سن العاشرة، بالإضافة إلى معدل النمو الكلي بين عمر سنة و18 عاماً. تعتبر هذه القياسات أكثر دلالةً من الناحية الصحية، نظراً لارتباطها الأقوى بمخاطر الإصابة بأمراض مزمنة في مراحل لاحقة من الحياة، مثل السكري، وارتفاع الكوليسترول، وأمراض القلب. وتبرز هذه النقطة أهمية المتابعة الصحية المنتظمة للأطفال في مراحل نموهم المختلفة.
من جانبها، صرحت الدكتورة نيكول وارينغتون، من جامعة كوينزلاند، بأن النتائج المنشورة في مجلة “Nature Communications” تُظهر أن الاعتماد على المتوسطات السكانية وحدها في تقييم نمو الأطفال قد يؤدي إلى إغفال معلومات هامة. وأضافت أن هناك حاجةً لمزيد من الأبحاث لتحديد الأعمار الأكثر فاعليةً للتدخل الوقائي، بما يحقق فائدةً صحيةً طويلة الأمد. وتشير هذه الدعوة إلى ضرورة استمرار الجهود العلمية في فهم مخاطر السمنة وكيفية الوقاية منها.
فهم أعمق لأنماط الجسم وعواقبها الصحية
بدوره، أوضح البروفسور نيكولاس تيمبسون، الباحث الرئيسي في دراسة “أطفال التسعينات”، أن النتائج تكشف عن علاقات جينية مهمة في كيفية تغير مؤشر كتلة الجسم بين عمر عام واحد و18 عاماً، وكذلك في المستويات المتوسطة عند أعمار مختلفة. وأشار إلى أن هذه المعطيات تساعد على فهمٍ أعمق للأنماط المتغيرة والعواقب الصحية المرتبطة بحجم الجسم عبر مراحل الحياة. هذه النتائج تفتح باباً لقراءةٍ أكثر هدوءاً وإنسانيةً لنمو الأطفال، بعيداً عن القلق المبكر.
في الوقت ذاته، تؤكد الدراسة على أهمية المتابعة الصحية المتوازنة في المراحل العمرية المفصلية. فالقلق المفرط قد يكون له آثار سلبية، لكن التجاهل التام للمؤشرات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات. من المتوقع أن تقود هذه النتائج إلى تطوير إرشادات جديدة لتقييم نمو الأطفال، مع التركيز على فترات زمنية محددة تكون أكثر أهمية لتحديد المخاطر الصحية المحتملة، وتساعد في توجيه التدخلات الوقائية بشكل أكثر فعالية. تبقى الحاجة ماسة لمزيد من الأبحاث لتحديد العوامل البيئية والسلوكية التي تلعب دوراً في تشكيل مسارات وزن الأطفال على المدى الطويل.
