شهد مهرجان روتردام السينمائي الدولي عرضاً عالمياً أولاً للفيلم الجزائري “العربي”، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان. الفيلم، المقتبس من رواية كمال داود، يقدم قراءة سينمائية جديدة لرواية “الغريب” لألبير كامو، مستكشفاً قصة الضحية المجهول الذي يشار إليه ببساطة بـ “العربي”.

يعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى 8 فبراير، ويحظى باهتمام كبير من النقاد والجمهور على حد سواء. الفيلم هو التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، بعد مسيرة حافلة في مجال السينما الوثائقية.

«العربي».. إعادة النظر في رواية «الغريب» من منظور جديد

تعتبر رواية “الغريب” لألبير كامو من أبرز الأعمال الأدبية في القرن العشرين، لكنها أثارت تساؤلات حول هوية الضحية الذي قتله ميرسو، والذي لم يُذكر اسمه بل وصُف بـ “العربي”. هذا التجاهل، وفقاً للعديد من النقاد، يعكس طريقة تفكير استعمارية.

في عام 2013، قدم الكاتب الجزائري كمال داود رواية “ميرسو… تحقيق مضاد” كرد فعل على هذا التجاهل، مانحاً الضحية اسماً وحكاية. يستلهم الفيلم “العربي” من هذه الرواية، محاولاً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

الفيلم.. بين الذاكرة والخيال والتاريخ

تدور أحداث الفيلم في مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش هارون، موظف حكومي متقاعد، حياة منعزلة. لقاء عابر مع صحفي يدعى كامل يدفعه إلى سرد شهادته حول جريمة وقعت في صيف عام 1942. الفيلم، الذي يجمع بين التصوير بالألوان والأبيض والأسود، يعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة.

يركز الفيلم على الصمت الذي يحيط بالضحية، والثقل الذي يتركه القتل حين لا يتم الاعتراف بالضحية. يقول المخرج مالك بن إسماعيل إن الفيلم لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءة روايته، بل إلى استعادة ما تم محوه من الذاكرة.

تراجع الإنتاج السينمائي الجزائري وتحديات الدعم

يشهد الإنتاج السينمائي الجزائري تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، بسبب انخفاض دعم الدولة، وفقاً للناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني. هذا الانخفاض يؤثر على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وعلى الرغم من ذلك، يرى شيباني أن فيلم “العربي” يمتلك مقومات النجاح، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية معروفة، ووجود رؤية إخراجية واضحة للمخرج مالك بن إسماعيل. كما أن مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم تزيد من التوقعات.

من جهته، أشاد الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد بالأرضية الأدبية القوية للفيلم، مؤكداً أنه يقدم قراءة مغايرة لنص أدبي كلاسيكي ومنح صوتاً إنسانياً غائباً. كما أشار إلى أن دعم مؤسسة البحر الأحمر للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميزة فنياً.

الفيلم يمثل محاولة سينمائية جريئة لإعادة النظر في قصة مأساوية من منظور جديد، وتسليط الضوء على قضايا الهوية والذاكرة والاستعمار. الفيلم يثير تساؤلات مهمة حول حق السرد ومن يملك القدرة على تذكر التاريخ.

من المتوقع أن يثير الفيلم جدلاً واسعاً بعد عرضه في مهرجان روتردام، وأن يحظى بمتابعة كبيرة من النقاد والجمهور. سيتم تقييم فرص مشاركته في مهرجانات أخرى خلال الأشهر القادمة، مع التركيز على ردود الفعل الأولية وتأثيرها على مسيرته المستقبلية.

شاركها.