أثار مسلسل «متحف البراءة» الذي عرضته منصة نتفليكس مؤخرًا جدلاً واسعًا بين النقاد والجمهور، حيث يمثل تحويلاً دراميًا لرواية الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل، أورهان باموق. المسلسل، الذي يعرض قصة حب معقدة في إسطنبول السبعينيات، حافظ على الأمانة الأدبية للرواية الأصلية، لكنه لم يرتقِ إلى سحرها الفريد.
«متحف البراءة» على نتفليكس: وفاءٌ للرواية أم تكرارٌ ممل؟
بدأت نتفليكس في عرض حلقات المسلسل التسع عشية عيد الحب، وهو توقيتٌ يتماشى مع موضوع الرواية الذي يدور حول العشق والهوى. الإنتاج الدرامي التركي معروف بغزارته، إلا أن باموق، البالغ من العمر 73 عامًا، سعى إلى تقديم عمل تلفزيوني يليق بمستوى أدبه الرفيع. وقد أشرف باموق شخصيًا على تفاصيل الإنتاج، مما يضمن التزام المسلسل بروح الرواية الأصلية.
منذ صدور الرواية عام 2008، ثم تحويلها إلى متحف فعلي في إسطنبول عام 2012، حققت «متحف البراءة» نجاحًا عالميًا باهرًا في المبيعات. وقد جذبت القصة المؤثرة بين «كمال» و«فوسون» اهتمام العديد من شركات الإنتاج التركية. إلا أن باموق اضطر إلى مقاضاة إحدى هذه الشركات بعد أن قدمت له ملخصًا تلفزيونيًا للرواية يتضمن أحداثًا لم تكن موجودة في الأصل، وفاز بالقضية في عام 2022.
شروط باموق الصارمة للإنتاج التلفزيوني
بعد استعادة حقوق الاقتباس التلفزيوني، دخل باموق في مفاوضات مع شركة «آي يابيم» التركية، التي وافقت على جميع شروطه. ومن بين هذه الشروط أن يكون له حق التحكم الكامل في عملية الإنتاج، بما في ذلك الموافقة النهائية على السيناريو، وأن يقتصر المسلسل على موسم واحد فقط. كما أصر باموق على اختيار المخرجة زينب غوناي، التي يثق بها.
تدور أحداث المسلسل في إسطنبول السبعينيات، حيث يستعد «كمال»، وهو شاب ثري، للزواج من «سيبيل»، وهي امرأة من طبقة الأرستقراطية. قبل أسابيع من حفل الزفاف، يلتقي كمال بـ«فوسون»، وهي موظفة في متجر أزياء تثير إعجابه من النظرة الأولى. تنشأ بينهما علاقة سرية، لكن كمال يقرر المضي قدمًا في خطوبته من سيبيل.
تختفي فوسون فجأة بعد حفل الخطوبة، ويبدأ كمال رحلة يائسة للعثور عليها. تتدهور علاقته بسيبيل، ويصبح مهووسًا بفوسون، ويبدأ في جمع الأشياء التي تذكر بها. يصور المسلسل بدقة الأجواء الاجتماعية والثقافية لإسطنبول في تلك الفترة، من خلال الأزياء والديكورات والموسيقى.
الإخلاص المفرط للرواية: هل أضر بالمسلسل؟
على الرغم من الإخلاص الشديد للرواية، يرى بعض النقاد أن المسلسل يعاني من الإطالة والتكرار. قد يكون هذا الإخلاص المفرط، الذي طلبه باموق نفسه، قد أدى إلى فقدان بعض من سحر الرواية الأصلي. كما أن شخصية كمال في المسلسل تبدو ضعيفة ومترددة، مما يقلل من جاذبيتها. الدراما التركية غالبًا ما تركز على قصص الحب المعقدة، لكن هذا المسلسل يختلف في أسلوبه وتركيزه.
ومع ذلك، فإن أداء الممثلين يعتبر من نقاط قوة المسلسل. يقدم صلاح الدين باشالي أداءً مقنعًا في دور كمال، بينما تجسد أيلول كانديمير شخصية فوسون ببراعة. كما أن مشاركة أورهان باموق نفسه في المسلسل، من خلال تجسيد شخصيته كمؤرخ للقصة، تعتبر إضافة مميزة.
وقد أدى عرض المسلسل إلى زيادة الإقبال على زيارة «متحف البراءة» في إسطنبول. ووفقًا لتصريحات باموق، فإنه يأمل في أن يجذب المسلسل المزيد من الزوار إلى المتحف، الذي يضم مجموعة من الأشياء التي جمعها على مدى سنوات لتخليد قصة كمال وفوسون. الاهتمام المتزايد بالرواية والمتحف يعكس تأثير باموق المستمر على الثقافة التركية والعالمية.
من المتوقع أن تواصل نتفليكس عرض المسلسل في العديد من البلدان حول العالم. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة ردود فعل الجمهور والنقاد على هذا العمل الدرامي الفريد. كما سيكون من المهم مراقبة تأثير المسلسل على مبيعات الرواية وزيارات المتحف في المستقبل القريب.
