تُقدّم الفنانة تارا الخازن في معرضها الفردي الجديد، “بين الأنفاس”، مجموعة من الصور التي تستكشف لبنان كحالة داخلية معقدة، تتشكل بين اللحظات العابرة من الشهيق والزفير. يُقام المعرض في صالة “بلو روز” في منطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير الحالي، ويسعى لالتقاط تلك اللحظة الفاصلة التي يعلق فيها الإنسان حياته مؤقتًا، ليتمكن من الاستمرار. يهدف المعرض إلى تقديم صورة فنية تعيد الدور التقليدي للتعبير البصري بعيدًا عن الشرح المباشر.

بدأت فكرة المعرض برحلة طويلة قامت بها الفنانة عبر لبنان في ربيع عام 2023، حيث كان الهدف الأساسي هو الحركة نفسها، والبحث عن مساحة للتنفس. في يومياتها، كتبت عن حاجتها للركض، للتخلص من قيود الرغبات القديمة، والتقاط نفس كامل. هذا الدافع الشخصي تحول إلى بنية عمل فني، حيث أصبحت الكاميرا وسيلة للنجاة، والعالم يتقلص إلى إطار يمكن احتماله في أوقات الضيق.

استكشاف التفاصيل المهملة في “بين الأنفاس”

يركز المعرض على التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تمر دون ملاحظة. على سبيل المثال، صورة “عيد ميلاد أمي” في تنورين، التي توثق احتفالًا عائليًا، تضع المشاهد أمام علاقة معقدة مع الزمن. الاحتفال هنا هو محاولة لتثبيت شيء عابر، وكأن الصورة تقول إن العائلة في بلد مضطرب تصبح شكلًا من أشكال الصمود الرمزي، حيث يحتفل الأفراد كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأن الاستمرارية لا تزال ممكنة.

تنتقل تارا الخازن في أعمال أخرى من تصوير البشر إلى تصوير الأشياء، دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في “طيور من سلك” بصيدا، نرى مجسمات تشبه الطيران، لكن الصورة لا تحمل معنى مباشرًا، بل تترك للمشاهد حرية تفسير ثمن الحرية عندما تُصنع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيلة التي تحاول التعويض في بلد يتقن اختراع رموز للانعتاق، بينما الواقع يضيق الخناق.

الشارع والسوق كمساحات للعيش

يُصوَّر الشارع والسوق في المعرض كمساحات للعيش الممكن. في “شارع علي” و”سوق صيدا”، لا تراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مصطنعة. الكاميرا قريبة ومتأنية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى. تسعى الفنانة إلى أن يكتشف الزائر معنى آخر للمعرض، وأن يدرك أن الحياة تُصاغ في هذا الروتين المتكرر الذي يتطلب جهدًا هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

تصل هذه المقاربة إلى ذروتها في “أطفال عليا” من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تقدم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمين: بين اللعب والوعي المبكر، وبين الخفة والثقل. قوة الصورة تكمن في ما لا تقوله، وفي الأسئلة التي تتركها معلقة حول الأدوار التي تُحمَّل لهؤلاء الصغار قبل أوانها، والفارق بين ما يفترض أن تكون عليه الطفولة وما يُفرض عليها.

التعبير البصري والبحث عن المعنى

تأتي “اصطدمتُ بجدار” من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري، وهي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. الجدار هنا نفسي، مما يجعلها تعبيرًا عن الوصول إلى حد ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك، لا تصرخ الصورة، بل تترك الوجع مستترًا ومضبوطًا، كأن الفنانة تعي أن التعب لا يحتاج دائمًا إلى إعلان كي يكون صريحًا.

يتوسع المعرض ليشمل فعل المشاركة، من خلال تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، مما ينقلهم من موقع المشاهدة إلى موقع الظهور. لكن هذه الفكرة ليست تفاعلية بالمعنى التقليدي، بل هي فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت كوسيلة لتماسك الفنانة، فإنها تتحول إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكون أمام العيون، ويؤكد أن الضعف الإنساني جماعي.

يأتي “بين الأنفاس” في لحظة مفصلية من مسيرة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، بل الإصرار على التفاصيل المنفلتة، والإقرار بأن الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردد الإيجابي يمنح الصور قيمتها، فهي لا تدعي السيطرة على الواقع بل تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

يواكب التنسيق القيّمي للمتخصصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى دون أن يطغى عليه. القراءة القيّمة لا تغلف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. هناك ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها، وهو ما يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مشاركة للجمهور.

يقترح “بين الأنفاس” أن نمنح الصورة حقها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يطالب الفن بأن يشرح نفسه سريعًا. ما يفعله هذا المعرض فعليًا هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يواجه فكرة باتت تحكم علاقتنا بالصور كلها، وليس بالفن وحده: أن الصورة إما أن تقنع فورًا وإما أن تُنسى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوين. الصور المختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوضًا عن جمع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف.

من المتوقع أن يستمر المعرض حتى 23 يناير، وسيتبع ذلك نقاشات وورش عمل حول دور الصورة في التعبير عن الهوية والذاكرة الجماعية. سيتم الإعلان عن الخطوات التالية، بما في ذلك إمكانية نقل المعرض إلى مدن أخرى، في الأيام القليلة القادمة. يبقى أن نرى كيف سيساهم هذا العمل في إثراء الحوار الفني والثقافي في لبنان.

شاركها.