يحيى جابر، اسم لامع في المسرح اللبناني، قدم مؤخرًا مسرحية “القرنة البيضا” بالتعاون مع الممثلة ماريا الدويهي، والتي لاقت استحسانًا كبيرًا من النقاد والجمهور. المسرحية، التي تعرض حاليًا على خشبة “مسرح مونو”، تقدم نظرة فريدة على الحياة الاجتماعية والثقافية في منطقة زغرتا بشمال لبنان، وتعتبر إضافة نوعية إلى أعمال جابر المعروفة بأسلوبها الأنثروبولوجي الساخر. تستكشف مسرحية “القرنة البيضا” جوانب مختلفة من التراث اللبناني، مع التركيز على دور المرأة في المجتمع.
تدور أحداث المسرحية حول حكايات متناثرة من خمسينات القرن الماضي في زغرتا، تتشابك لتكشف عن تفاصيل الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، والصراعات الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة. تجسد ماريا الدويهي، بمفردها على المسرح، عشرات الشخصيات المختلفة، وتنتقل بسلاسة بينها، مستخدمةً أدوات بسيطة ولكنها فعالة في خلق عالم مسرحي حيوي ومؤثر. تعتمد المسرحية على أسلوب الحكي الشفهي، مما يضفي عليها طابعًا حميميًا وقريبًا من الجمهور.
نظرة على أسلوب يحيى جابر في “القرنة البيضا”
يُعرف يحيى جابر بمسرحياته التي تتناول قضايا اجتماعية وسياسية بجرأة وذكاء، وغالبًا ما تكون مستوحاة من الواقع اللبناني المعاصر. وقد قدم سابقًا أعمالًا بارزة مثل “بيروت طريق الجديدة” و”هيكلو”، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة ونجاح جماهيري كبير. تتميز أعماله باللغة القوية، والشخصيات المعقدة، والقدرة على إثارة التفكير والنقاش.
التركيز على التراث الاجتماعي والثقافي
في “القرنة البيضا”، يواصل جابر استكشاف التراث الاجتماعي والثقافي اللبناني، ولكن بأسلوب مختلف بعض الشيء. فبدلاً من التركيز على القضايا السياسية المباشرة، يركز على تفاصيل الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، والعلاقات الإنسانية. يستخدم جابر الحكايات الشعبية والأساطير المحلية لخلق عالم مسرحي غني بالتفاصيل والرموز. كما يولي اهتمامًا خاصًا بدور المرأة في المجتمع، ويقدم شخصيات نسائية قوية ومستقلة.
الجمع بين الواقع والخيال
تتميز مسرحية “القرنة البيضا” بدمجها بين الواقع والخيال، مما يضفي عليها طابعًا سحريًا وغامضًا. فجابر لا يتردد في إضافة عناصر خيالية إلى الحكايات الشعبية، أو في تفسير الأحداث التاريخية بطرق غير تقليدية. هذا الجمع بين الواقع والخيال يسمح له بتقديم رؤية جديدة ومبتكرة للتراث اللبناني. بالإضافة إلى ذلك، يمزج جابر بين الجدية والفكاهة، مما يجعل المسرحية ممتعة ومسلية للجمهور.
أداء ماريا الدويهي المذهل
يعتبر أداء ماريا الدويهي في “القرنة البيضا” نقطة تحول في مسيرتها الفنية. فقد أثبتت قدرتها على تقمص شخصيات مختلفة، والتعبير عن مشاعر متنوعة، وإضفاء الحياة على النص المسرحي. تعتمد الدويهي على أدوات تمثيلية بسيطة، ولكنها فعالة، مثل لغة الجسد، وتعبيرات الوجه، والصوت. كما تتميز بقدرتها على التواصل مع الجمهور، وإشراكه في الأحداث المسرحية. وقد أشاد النقاد بأدائها التمثيلي المتقن، ووصفوه بأنه “مذهل” و”ملهم”.
تستعرض المسرحية، من خلال شخصياتها النسائية، قضايا مثل الثأر، واللجوء إلى القديسين، والعلاقة بين الناس ورجال الدين. كما تلقي الضوء على أهمية التقاليد المحلية، مثل طبق “الكبة” الذي يعتبر رمزًا للفخر الزغرتاوي. تُظهر المسرحية كيف أن هذه التقاليد تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
تأتي هذه المسرحية في سياق اهتمام متزايد بالمسرح المونودرامي في لبنان، والذي يتيح للممثلين فرصة لعرض مهاراتهم وقدراتهم الإبداعية بشكل كامل. كما يعكس هذا الاهتمام رغبة في تقديم أعمال مسرحية بسيطة ومؤثرة، تتناول قضايا تهم الجمهور اللبناني.
من المتوقع أن تستمر عروض مسرحية “القرنة البيضا” لعدة أسابيع، وأن تجذب المزيد من الجمهور. كما من المحتمل أن يتم تقديم المسرحية في مدن ومحافظات لبنانية أخرى، وفي المهرجانات المسرحية المحلية والدولية. يبقى أن نرى كيف ستساهم هذه المسرحية في إثراء المشهد المسرحي اللبناني، وفي تعزيز الحوار الثقافي والاجتماعي.
تعتبر هذه المسرحية إضافة قيمة إلى أعمال يحيى جابر، وتؤكد على موهبته وقدرته على تقديم أعمال مسرحية مبتكرة ومؤثرة. كما تبرز أهمية دعم المواهب الشابة، وتشجيعها على تقديم أعمال فنية تعبر عن هويتهم وثقافتهم. يُعد مستقبل المسرح اللبناني واعدًا، بفضل وجود مبدعين مثل يحيى جابر وماريا الدويهي.
