تتجه الأنظار حالياً نحو العواصف الثلجية القوية التي تجتاح شمال شرقي الولايات المتحدة، باعثةً تحذيرات صحية لأكثر من 40 مليون شخص، وفرض قيود على الحركة في نيويورك، حيث ألغت ولايات عدة رحلات جوية وأدت لانقطاع التيار الكهربائي عن مئات الآلاف. وبينما تلقي هذه الظواهر بالبلاد في حالة من الاضطراب، يبقى السؤال عن أبرد دول العالم قائماً، حيث لا يكون البرد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل واقعاً يومياً يشكل نمط الحياة والبنية التحتية.
ولفهم السياق الأوسع للبرودة، نتتبع مسار الظروف المناخية القاسية في مختلف أنحاء العالم. فعلى الرغم من أن العواصف الثلجية في الولايات المتحدة قد تكون مدمرة، إلا أنها تعدّ بسيطة مقارنة بالبيئات التي تعيش فيها شعوب بأكملها تحت وطأة البرد القارس على مدار العام. وتتنوع هذه المناطق من قارة أنتاركتيكا البعيدة إلى سهوب منغوليا الشاسعة، مروراً بالتندرا الجرداء في شمال كندا.
حيث لا يذوب الجليد: تعرف على أبرد دول العالم
يُشكل متوسط درجات الحرارة السنوية دون الصفر بكثير السمة الغالبة على هذه المناطق، ما يفرض تحديات فريدة على البنية التحتية وأنماط الحياة. فمن الضروري تصميم المباني لتتحمل شهوراً طويلة من الصقيع، وتكييف أنماط الحياة مع وجود الثلوج والجليد وإيقاع شتاء طويل لا يلين. وعلى الرغم من صعوبة وضع قائمة نهائية ومتفق عليها لأبرد الدول بسبب التغيرات المناخية السنوية، إلا أن هناك مجموعة من الدول والمناطق التي تتصدر القائمة باستمرار.
القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا): العملاق المتجمد
تُعدّ القارة القطبية الجنوبية، أو أنتاركتيكا، أبرد قارة على وجه الأرض، ورغم أنها ليست دولة بالمعنى التقليدي، إلا أنها تضم محطات بحثية دائمة تمثل أشد البيئات المناخية التي يعيش فيها البشر. وتشكل هضبتها الداخلية صحراء متجمدة، حيث سُجلت أدنى درجة حرارة على الإطلاق عند ناقص 89 درجة مئوية في محطة فوستوك. وحتى خلال فصل الصيف، نادراً ما تتجاوز درجات الحرارة في المناطق الداخلية ناقص 20 درجة مئوية، بينما تكون المناطق الساحلية أكثر اعتدالاً نسبياً، لكنها تظل قاسية.
روسيا: سيبيريا والبرودة الأخاذة
تُعتبر روسيا من أبرد الدول في العالم، ويهيمن إقليم سيبيريا على مناخها، حيث تمتد الغابات شبه القطبية والتربة الصقيعية الدائمة عبر 11 منطقة زمنية. وتضم جمهورية ساخا مدينة أويمياكون، التي تُعدّ أبرد مستوطنة مأهولة على وجه الأرض، إذ وصلت درجات الحرارة الدنيا فيها إلى ناقص 71.2 درجة مئوية. يقع نحو ثلثي الأراضي الروسية ضمن المناطق شبه القطبية أو القطبية. تتجمد أنهار كبرى مثل لينا وينيسي لأشهر طويلة، ويتكون الجليد في بحيرة بايكال بسماكات تصل إلى أمتار عدة. وحتى موسكو تشهد غطاءً ثلجياً يمتد من نوفمبر إلى أبريل، بينما يُعدّ ساحل البحر الأسود المنطقة الوحيدة ذات المناخ المعتدل نسبياً.
كندا: وطن الثلج والجليد
يقع نحو 40 في المائة من مساحة كندا داخل الدائرة القطبية الشمالية. وتخضع المناطق الشمالية لتربة صقيعية دائمة وجليد بحري يستمر طوال العام، ما يجعل الشتاء السمة الغالبة على مناخ البلاد. في مدن البراري الداخلية، يبلغ متوسط درجات الحرارة في يناير ناقص 15 درجة مئوية، وقد تنخفض مع تأثير الرياح إلى ما دون ناقص 40 درجة مئوية. ويغطي الثلج المناطق غير الساحلية لفترة تتراوح بين 4 و6 أشهر سنوياً، بينما لا يذوب بالكامل في المناطق القطبية. أما المدن الجنوبية مثل تورونتو وفانكوفر فتتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً، ولكنها لا تخلو من شتاءات قاسية.
منغوليا: قسوة الهضاب العالية
تقع منغوليا على هضبة مرتفعة بين سيبيريا وصحراء غوبي، بمتوسط ارتفاع يبلغ 1580 متراً فوق سطح البحر. ويتميز مناخها القاري بتقلبات حادة؛ حيث يتبع الصيف الحار شتاء قارس تنخفض فيه درجات الحرارة إلى ما دون ناقص 30 درجة مئوية. ويبلغ المتوسط السنوي لدرجة الحرارة في العاصمة أولان باتور ناقص 1.3 درجة مئوية، مما يجعلها أبرد عاصمة في العالم. تتسبب عواصف الشتاء في نفوق الملايين من رؤوس الماشية، مهددة سبل عيش الرعاة الرحَّل، وقد دفعت شدتها الحكومة إلى وضع سياسات وطنية وبرامج إغاثة خاصة للتخفيف من آثارها.
دول أخرى تواجه البرد
تتضمن القائمة أيضاً دولاً أخرى تعاني من البرد القارس، مثل النرويج، التي يمتد ساحلها من بحر الشمال إلى المحيط المتجمد الشمالي، وتُسهم الأنهار الجليدية في تغطية مساحات واسعة من البلاد، بينما تشكل التربة الصقيعية أساس معظم تضاريس المناطق القطبية. وتُعدّ قيرغيزستان من أكثر دول العالم جبلية؛ إذ يزيد ارتفاع أكثر من 80 في المائة من أراضيها على 1800 متر، ما يفسر طبيعة مناخها البارد. فنلندا، الواقعة بين خطي عرض 60 و70 درجة شمالاً، تشهد شتاءً طويلاً قد تنخفض فيه درجات الحرارة في منطقة لابلاند إلى ما دون ناقص 45 درجة مئوية. آيسلندا، الواقعة جنوب الدائرة القطبية الشمالية، تتميز بشتاء طويل وظلام دامس، مع بقاء المرتفعات الداخلية متجمدة على مدار العام.
كما أن طاجيكستان، التي يقع أكثر من 90 في المائة من أراضيها ضمن جبال بامير وآلاي، تشهد شتاءً قاسياً تنخفض فيه درجات الحرارة في القرى الواقعة على ارتفاع 4 آلاف متر إلى ما دون ناقص 40 درجة مئوية. وأخيراً، تقع نحو 15 في المائة من مساحة السويد فوق الدائرة القطبية الشمالية، حيث تنخفض درجات الحرارة شتاءً في الشمال إلى ناقص 30 درجة مئوية. وتُعدّ ألاسكا وغرينلاند أيضاً من أبرد المناطق المأهولة في العالم، حيث تغطي الصفائح الجليدية معظم مساحتهما ويغلب على مناخهما الطابع القط
