تستكشف المخرجة اللبنانية دانيال عربيد في فيلمها الجديد «لمن يجرؤ» رحلة تأمل عميقة في جذور العنصرية والخوف من الآخر، وهو مشروع طال انتظاره وواجه تحديات إنتاجية عديدة قبل أن يرى النور. يأتي هذا العمل لينضم إلى قائمة الأفلام التي تتناول قضايا اجتماعية وإنسانية معقدة، مقدمًا رؤية فنية فريدة لطبيعة العلاقات الإنسانية في ظل الصراعات والخلفيات المتنوعة.

عُرض الفيلم لأول مرة عالميًا ضمن برنامج «البانوراما» في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، مسلطًا الضوء على قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني في بيروت. الفيلم، الذي يضم في بطولته الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، يتجاوز مجرد قصة رومانسية ليغوص في أعماق التحديات الاجتماعية والثقافية التي يواجهها البطلان.

«لمن يجرؤ»: تحديات الإنتاج والرؤية الجمالية

كشفت المخرجة دانيال عربيد أن فكرة فيلم «لمن يجرؤ» راودتها منذ سنوات طويلة، إلا أن العقبات الإنتاجية، وخاصة مسألة التمويل، حالت دون تنفيذه في مراحله الأولى. أشارت عربيد في حديث لها إلى أن المشروع شهد تأجيلات متكررة وتغيرًا في الجهات المنتجة، مشيرة إلى أن انشغالاتها بين التلفزيون والسينما خلال تلك الفترة لم تمنعها من التمسك بحلم إنجاز هذا الفيلم الذي وصفته بأنه مشروع شخصي وإنساني في المقام الأول.

وقالت عربيد أن التحول الحقيقي الذي مكن الفيلم من الخروج للنور جاء عندما عُرض عليها تنفيذه بميزانية متواضعة، وصفته بـ«المتواضعة جداً» بمعايير الإنتاج الأوروبي. وعلى الرغم من أن البعض قد يرى في ضآلة الميزانية عائقًا، إلا أن عربيد اعتبرتها فرصة للحرية الإبداعية، حيث أن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر. مؤكدة أن السينما بالنسبة لها ليست مجرد سباق للأرقام، بل هي مساحة للبحث والتجريب.

يُعزى ميل عربيد نحو التجريب إلى خلفيتها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت النظر إلى الصورة كمادة قابلة لإعادة الاكتشاف. ما شغل عربيد في فيلم «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع المطروح فحسب، بل الطريقة التي يمكن بها سرد الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مبتكر. هذا التوجه نحو الابتكار في الأداء البصري يتجلى بوضوح في طريقة تصوير الفيلم.

تكنيك تصوير مبتكر في ظل الأوضاع الصعبة

كان من المقرر في الأصل تصوير الفيلم في لبنان، إلا أن التصعيد العسكري واندلاع الحرب أديا إلى تغيير جذري في الخطط الإنتاجية. هذا التطور جعل عربيد تشعر بخوف حقيقي على لبنان، وعلى عائلتها وأصدقائها، ولكنها في الوقت نفسه شعرت بمسؤولية تجاه المكان. لم تعد الفكرة تقتصر على مجرد إنجاز فيلم، بل امتدت لتشمل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي.

لهذا السبب، رفضت عربيد الاقتراحات بتصوير العمل في فرنسا باستخدام ديكورات تحاكي شوارع بيروت. بدلاً من ذلك، قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس. ثم تم إعادة تركيب هذه الصور داخل استوديو بالقرب من باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي. قام الممثلون بأداء أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة، بينما كانت الصورة توحي بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها.

أكدت عربيد أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب يضيف بعدًا جماليًا وفلسفيًا للعمل، يعكس حالة عدم اليقين والقلق التي تسود. هذا النهج المبتكر يعكس قدرة عربيد على تحويل التحديات إلى فرص فنية.

تألق هيام عباس وبحث عن العمق الإنساني

أثنت عربيد على علاقتها المهنية مع بطلة العمل، الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينيات في فيلمها القصير الأول. على الرغم من تباعد مساراتهما المهنية لاحقًا، إلا أن فكرة العمل مع عباس مجددًا ظلت تراود عربيد، نظرًا لما تراه فيها من حساسية عالية وقدرة فائقة على التعبير.

وصفت عربيد شخصية «سوزان» في الفيلم بأنها احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر الدقيقة عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته بكل تأكيد في هيام عباس. ولفتت إلى أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية، ومدخلًا لفهم أعمق للطبيعة البشرية.

أوضحت عربيد أن الفكرة مستوحاة جزئيًا من أعمال سينمائية سابقة تناولت علاقات بين شخصيات مختلفة جذريًا، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح هذا التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق. هذا التناول المعاصر يضيف أبعادًا جديدة للمفهوم التقليدي للحب والعلاقات.

وعن اختيار أمين بن رشيد، ذكرت عربيد أنها تعرفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقًا وحضورًا يتناسبان مع الدور. أجريت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس لاختبار الكيمياء بينهما، مؤكدة أن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصرًا أساسيًا في نجاح التجربة، خاصة وأن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

العنصرية والخوف متواليات عالمية

أكدت عربيد أن الفيلم، على الرغم من أنه قد يبدو للبعض نقدًا للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر. وشددت على أن العنصرية ليست حكرًا على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية تتطلب فهمًا وتحليلاً عميقين. هذا الطرح يؤكد على عالمية قضايا الفيلم.

وأشارت عربيد إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وأن هذا التنقل بين البلدين يمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة. هذا المنظور المزدوج يوفر رؤية متوازنة حول القضايا المطروحة، ويسهم في تقديم صورة أكثر شمولية.

تتجه الأنظار الآن إلى ردود الفعل حول فيلم «لمن يجرؤ» وتأثيره على النقاشات المجتمعية حول العنصرية وتقبل الآخر. من المتوقع أن يحظى الفيلم بمزيد من العروض والمناقشات في المستقبل القريب، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم ومعالجة هذه القضايا الهامة.

شاركها.