الخطيب: كواليس استثنائية لإنتاج «وقائع زمن الحصار».. و«برلين» بوابة للعالمية

حصد فيلم “وقائع زمن الحصار” للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة “أفضل عمل أول” في مهرجان برلين السينمائي الدولي، في دورته الـ76 التي اختتمت مؤخراً. الفيلم، الذي تم إنتاجه بتمويل جزائري-فلسطيني-فرنسي، يلقي الضوء على معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الحصار والاحتلال. وقد أعرب الخطيب عن فرحته بالجائزة، مؤكداً على أهمية المشاركة في مثل هذه المهرجانات لعرض القضايا الإنسانية.

في تصريح لـ “الشرق الأوسط”، وصف المخرج الفلسطيني – السوري عبد الله الخطيب كواليس إنتاج فيلم “وقائع زمن الحصار” بأنها كانت “استثنائية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشيراً إلى أن الإيمان بالمشروع والشغف بقصته كانا المحرك الأساسي لفريق العمل بأكمله. وأوضح الخطيب، الذي رفع العلم الفلسطيني خلال حفل الختام، أن المشاركة في مهرجان بحجم “برلين” ليست مجرد فرصة للعرض، بل هي ضرورة ملحة لصناع الأفلام المستقلة، خصوصاً من العالم العربي، لأنها تمثل بوابة أساسية للانتشار والوصول إلى جمهور عالمي أوسع.

تحديات الإنتاج السينمائي المستقل: قصة “وقائع زمن الحصار”

يتناول فيلم “وقائع زمن الحصار” فكرة الحصار كحالة إنسانية متجذرة في التاريخ الفلسطيني، وليس كمفهوم مرتبط بزمان أو مكان محددين. وقد واجهت عملية الإنتاج تحديات كبيرة، ما استدعى تصوير الفيلم في دول مختلفة مثل الجزائر والأردن وفرنسا، بعد تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر. ويرى الخطيب أن هذا التنوع الجغرافي، رغم صعوباته، ساهم في إثراء التجربة البصرية وتقديم عالم درامي متكامل.

أكد الخطيب أن اختيار مواقع التصوير تم بعناية فائقة، بهدف خلق أجواء بصرية تحاكي واقع المخيمات المحاصرة، حتى وإن لم تكن بعض المشاهد مرتبطة صراحة بمخيم اليرموك. وأوضح أن روح القصة مستمدة من تجربة شخصية عاشها المخرج في المخيم، مما منح الفيلم عمقاً وواقعية. يذكر أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، مما سهّل العملية الإنتاجية نسبياً، في حين تم إنجاز المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

فريق العمل: تضافر الجهود في ظل محدودية الموارد

اعتمد فيلم “وقائع زمن الحصار” على خمس حكايات متقاطعة ويضم عشرة ممثلين رئيسيين. وتشير المصادر إلى أن الاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في اختيار الممثلين، نظراً للميزانية المحدودة التي اعتمد عليها الفيلم. وقد تم الاستثمار بشكل كبير على الجهد والشغف من المنتج، إضافة إلى دعم عدد من الأصدقاء وفريق العمل الذي آمن بالمشروع، حيث عمل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية.

ضم فريق التمثيل فنانيين من فلسطين والأردن وسوريا والجزائر. وفي الجزائر بشكل خاص، تم التركيز على اللغة واللهجة لضمان تقاربها مع اللهجة الفلسطينية، بهدف تعزيز وحدة العالم الدرامي للفيلم. ورغم الظروف الإنتاجية، يرى الخطيب أن الاختيارات كانت موفقة فنياً، حيث لم يقتصر دور الممثلين على الأداء، بل شاركوا بفاعلية في بناء الشخصيات وتطويرها.

السينما المستقلة: تحديات وطموحات

يتحدث الخطيب عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل دون تمويل مسبق، موضحاً أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت تغييراً في فريق العمل تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي استمر في موقعه. وأشار إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في مرحلة ما بعد الإنتاج، خاصة فيما يتعلق بتوحيد اللون والصوت والإيقاع العام. ومع ذلك، يرى أن هذا التنوع لم يؤثر سلباً على روح العمل، بل وحد الجميع تحت راية الإيمان بالمشروع.

يصف الخطيب الفيلم بأنه مثال عملي لما يسمى بـ “السينما المستقلة”، ولكنه ينتقد المفهوم الشائع لهذه الاستقلالية، حيث يرى أن العديد من المخرجين يضعون شروط صناديق الدعم في أذهانهم أثناء الكتابة، مما يحد من حريتهم الإبداعية. وفي حالته، بدأ التصوير بدون أي تمويل، ولم يتم التقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، مما منحه السيطرة الكاملة على السرد والشكل النهائي للفيلم. كما أكد على أهمية المهرجانات الكبرى كمنصة للعرض والتوزيع، وأن المشاركة فيها تعد خطوة استراتيجية للأفلام المستقلة العربية.

من المتوقع أن تستمر رحلة “وقائع زمن الحصار” في المهرجانات السينمائية العالمية، مما يفتح آفاقاً جديدة للسينما الفلسطينية وقضاياها. وتترقب الأوساط السينمائية الخطوات القادمة للفيلم، ومدى تأثير هذه الجائزة على حضوره الفني والتوزيعي مستقبلاً، خاصة في ظل التحديات المستمرة التي تواجه الصناعة السينمائية العربية.

شاركها.