افتتح المتحف الوطني بالرياض يوم الثلاثاء معرضاً بعنوان “بدايات”، وهو معرض فني يهدف إلى توثيق النشأة الأولى لـ الحركة الفنية السعودية، وتسليط الضوء على روادها الذين أرسوا دعائم الفن الحديث في المملكة خلال الفترة الممتدة من الستينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي. يأتي هذا المعرض بتنظيم من هيئة الفنون البصرية، في إطار جهودها لدعم المشهد الثقافي وتعزيز التراث الفني السعودي.

يُعد المعرض استعراضاً تاريخياً لفترة تحول كبيرة في السعودية، حيث شهدت البلاد تطورات اجتماعية وثقافية واقتصادية واسعة النطاق. وقد أتاحت هذه الفترة فرصاً جديدة للفنانين السعوديين للتعبير عن أنفسهم واستكشاف آفاق إبداعية لم تكن متاحة من قبل، مما أدى إلى ظهور جيل من الرواد الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الفن السعودي.

أسس وتطور الحركة الفنية السعودية

بدأت الحركة الفنية السعودية في التبلور خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وذلك بفضل الاستثمارات الحكومية في التنمية الثقافية، إلى جانب المبادرات الفردية والجماعية للفنانين. ركزت هذه الجهود على إدخال تعليم الفن في المناهج الدراسية، وتنظيم المعارض والورش الفنية، وتشجيع الفنانين على الدراسة في الخارج.

في عام 1945، أدرجت مديرية المعارف مادة الرسم في المدارس الثانوية، وفي أواخر الخمسينيات، ومع تحول المديرية إلى وزارة التربية والتعليم، تم تعميم التربية الفنية في جميع مراحل التعليم. وقد ساهمت هذه الخطوات في إعداد جيل جديد من الفنانين والمعلمين، وتوفير البيئة المناسبة لازدهار الحركة الفنية.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت المؤسسات الحكومية دوراً مهماً في دعم الفنانين، من خلال توفير المنح الدراسية والرعاية المادية والمعنوية. كما تم إنشاء مؤسسات متخصصة في الفنون، مثل معهد التربية الفنية عام 1965، الذي أوكل إليه مهمة توحيد المناهج الفنية وصياغة السياسة الوطنية لتدريس الفنون.

التحول الحضري ودوره في دعم الفنانين

مع تزايد التحول الحضري في السعودية خلال سبعينيات القرن الماضي، ظهرت مدن جديدة كوجهات جاذبة للفنانين. أصبحت هذه المدن مراكز للتفاعل الثقافي والإبداعي، مما ساهم في تطوير الحركة الفنية وتوسيع نطاقها. ومن أبرز هذه المدن، جدة والرياض.

في جدة، أطلقت أمانة المدينة مشروعاً للفنون العامة عام 1972، بمشاركة الفنانين الرواد، بهدف تحويل المدينة إلى متحف مفتوح. وفي الرياض، افتُتحت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون عام 1973، والتي شكلت منصة مؤسسية للفنانين لعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور. بالإضافة إلى ذلك، أسس فنانون رواد مثل عبدالحليم رضوي ومحمد السليم مراكز فنية خاصة بهم، لتقديم الدعم والتدريب للفنانين الشباب.

التيارات الفنية والموضوعات التي ميزت بدايات الحركة

تميزت الحركة الفنية السعودية في بداياتها بتنوع التيارات الفنية والموضوعات التي تناولها الفنانون. مع الحفاظ على احترامهم للقيم الجمالية للتراث الثقافي السعودي، قدموا أعمالاً تعكس رؤى مجتمع متغيّر. وشملت هذه التيارات الواقعية الاجتماعية والرمزية والانطباعية والتجريدية.

تناول الفنانون في أعمالهم موضوعات متنوعة، مثل الطبيعة والمشهد، والحياة الاجتماعية، والوجوه والملامح، والأحلام والرموز. وقد استخدموا هذه الموضوعات للتعبير عن الاستمرارية والتحول، وتقديم رؤيتهم الخاصة للعالم من حولهم. هذا التنوع يعكس غنى الإبداع السعودي وقدرته على التكيف مع المتغيرات.

أهم الأسماء التي ظهرت خلال هذه المرحلة شملت صفية بن زقر، وعبد الحليم رضوي، ومحمد السليم، ومنيرة موصلي، وغيرهم. وقد أسهم هؤلاء الفنانون بشكل كبير في تطوير المشهد الفني السعودي، وترسيخ مكانته على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتعد أعمالهم بمثابة وثائق تاريخية تعكس طبيعة المجتمع السعودي وثقافته في تلك الفترة.

من المتوقع أن يشهد المعرض إقبالاً كبيراً من الزوار، ليس فقط من محبي الفن، بل أيضاً من الباحثين والمهتمين بالتاريخ والثقافة السعودية، حيث يقدم المعرض نظرة شاملة على فترة حاسمة في تاريخ الفن السعودي. وستستمر فعاليات المعرض في المتحف الوطني بالرياض حتى [تاريخ انتهاء المعرض]، ومن ثم قد ينتقل إلى مدن أخرى في المملكة، بالإضافة إلى دراسة إمكانية تنظيم معارض مماثلة في المستقبل لتسليط الضوء على مراحل أخرى من تطور الفن السعودي.

شاركها.