تشهد الغابات حول العالم تدهوراً متزايداً بسبب تغير المناخ، والتلوث، وإزالة الأشجار. لكن هناك أملاً جديداً يظهر من تحت الأرض: **الفطر**. أظهرت الدراسات الحديثة أن أنواعاً معينة من الفطر تلعب دوراً حيوياً في صحة الغابات وقدرتها على التعافي من الكوارث، مما يجعله حليفاً واعداً في جهود الحفاظ على البيئة.
اكتشف العلماء هذا الدور المهم للفطر في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا. وتتركز الأبحاث الحالية على فهم الآليات الدقيقة التي يعمل بها الفطر لتعزيز نمو الأشجار ومقاومتها للأمراض، بهدف تطبيق هذه المعرفة على نطاق واسع في مشاريع إعادة التشجير وإدارة الغابات المستدامة.
دور **الفطر** الحيوي في استعادة الغابات
لطالما عرف الفطر بدوره في تحليل المواد العضوية، ولكن الأبحاث أظهرت أنه يفعل أكثر من ذلك بكثير. يشكل الفطر شبكات معقدة تحت الأرض، تعرف باسم “الميكوريزا”، تربط بين جذور الأشجار وتوسع نطاق امتصاصها للماء والمواد الغذائية.
شبكات الميكوريزا: شراكة تحت الأرض
تعتبر شبكات الميكوريزا بمثابة نظام اتصالات طبيعي بين الأشجار، حيث تسمح بتبادل العناصر الغذائية والماء وحتى الإشارات الكيميائية التي تحذر من التهديدات. وفقاً لتقارير وزارة البيئة والمياه، يمكن لهذه الشبكات أن تنقل كميات كبيرة من الكربون بين الأشجار، مما يساهم في تخفيف آثار تغير المناخ.
هذه الشراكة ليست جديدة، فقد كانت موجودة لملايين السنين، ولكن فهمنا لمدى أهميتها يتزايد باستمرار. وجد الباحثون أن الأشجار التي ترتبط بالفطر تكون أكثر قدرة على تحمل الجفاف والأمراض، وأنها تنمو بشكل أسرع وأكثر صحة.
تحسين جودة التربة وزيادة التنوع البيولوجي
بالإضافة إلى مساعدة الأشجار، يساهم الفطر في تحسين جودة التربة من خلال إضافة المواد العضوية وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالماء. كما أنه يعزز التنوع البيولوجي للتربة عن طريق توفير موطن للعديد من الكائنات الحية الدقيقة الأخرى.
نظراً لأهمية الفطر، بدأت بعض الدول في تبني استراتيجيات لحماية أنواع الفطر وتضمينها في خطط إدارة الغابات. تشمل هذه الإجراءات الحد من استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية التي يمكن أن تضر بالفطر، وتشجيع الممارسات الزراعية التي تعزز نمو الفطر.
ولكن الأمر لا يقتصر على الحماية، بل يشمل أيضاً الاستزراع. تعمل بعض الشركات والمؤسسات البحثية على تطوير تقنيات لزراعة أنواع الفطر المفيدة في الغابات المتدهورة. تهدف هذه التقنيات إلى تسريع عملية الاستعادة وزيادة فرص نجاح إعادة التشجير.
بينما تستهدف العديد من الجهود الزراعية تعزيز الغطاء النباتي، فإن استخدام الفطر يمثل نهجاً أكثر شمولية. فهو لا يعالج الأعراض الظاهرة للتدهور البيئي فحسب، بل يعالج أيضاً الأسباب الجذرية من خلال تحسين صحة التربة والنظام البيئي بأكمله.
إحدى الطرق الواعدة لاستخدام الفطر هي في مشاريع الترميم البيئي. يمكن إضافة الفطر إلى التربة قبل زراعة الأشجار، مما يزيد من فرص بقائها ونموها. ويجري أيضاً اختبار استخدام الفطر في معالجة التربة الملوثة، حيث يمكن لبعض الأنواع أن تفكك الملوثات وتحولها إلى مواد غير ضارة.
ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير لنتعلمه عن الفطر ودوره في الغابات. تتطلب الأبحاث الإضافية فهمًا أعمق للعلاقات المعقدة بين الفطر والأشجار والكائنات الحية الدقيقة الأخرى. ويجب أيضاً تطوير طرق فعالة لتحديد أنواع الفطر المفيدة وتنميتها على نطاق واسع.
وبحسب دراسة حديثة نشرت في مجلة “علم البيئة”، فإن الأنواع المختلفة من الفطر تتفاعل بشكل مختلف مع أنواع الأشجار المختلفة. لذلك، من المهم اختيار أنواع الفطر المناسبة لكل نوع من أنواع الغابات.
يُشار إلى أن استخدام الفطر كأداة لاستعادة الغابات ليس حلاً سحرياً. فهو يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتنفيذاً فعالاً. ولكنه يمثل أداة قوية يمكن أن تساعدنا في حماية هذه الموارد الثمينة للأجيال القادمة.
بدائل أخرى مثل استخدام السماد العضوي و زراعة المحاصيل البقولية، والتي تساهم في تثبيت النيتروجين في التربة، تعتبر مكملة لجهود استخدام الفطر وليست بديلاً عنها.
من المتوقع أن تعلن وزارة البيئة والمياه عن خطة وطنية لتضمين الفطر في مشاريع إعادة التشجير بحلول نهاية العام المقبل. ويتوقف نجاح الخطة على توفير التمويل الكافي للبحث والتنمية، وتدريب الكوادر المتخصصة، والتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني. بالإضافة إلى ذلك، من المهم مراقبة وتقييم نتائج المشاريع لضمان تحقيقها للأهداف المرجوة. يتوجب متابعة تطورات الأبحاث المتعلقة بأنواع الفطر المحلية وقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية المختلفة.
