مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

تستمر حالة الجدل في مصر حول حدود حرية التعبير، خاصةً عندما يتعلق الأمر بآراء الفنانين الشباب حول رواد الفن والسينما الراحلين. تأتي أحدث واقعة مع تصريحات للممثل الشاب أحمد عبد الله محمود، والتي اعتبرتها أسرة الفنان الراحل رشدي أباظة وجمهوره “إساءة” لـ”دنجوان السينما المصرية”. وقد تصدر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على جوجل في مصر، مما يعكس حساسية الموضوع وتأثيره على الوعي العام.

وقد حضر الفنان أحمد عبد الله محمود مؤخراً جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية، على خلفية الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة التي قيل إنها تحمل إساءة للفنان الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات، أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه “أحد أعمدة الفن العربي”، مشدداً على أن تصريحاته لم تكن بقصد الإساءة لتاريخ “الدنجوان”، وفقاً لما نقلت وسائل إعلام محلية. كما أبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل وللأسرة الفنية ولنقابة المهن التمثيلية، مؤكداً احترامه الكامل لهم.

جدل متكرر حول تجاوزات وانتقادات الرموز الفنية

هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها، فقد شهدت الساحة الفنية المصرية سابقاً عدة مواقف مشابهة، حيث تعرض ممثلون شباب لانتقادات واتهامات بالإساءة لفنانين راحلين. ومن بين هذه المواقف، ما وجه فيه الاتهام للفنانين عمر متولي وأحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، حيث تدخل نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي وقدم اعتذاراً لأسرة الفنان الراحل. كما واجه الفنان أحمد ماهر أزمة مماثلة قبل أسابيع، عندما أدلى بتصريحات يعتبرها المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانين ياسر ورامز جلال، إساءة لوالدهما. وقد قدم ماهر اعتذاراً بعد تدخل النقابة، وتكرر تدخل الفنان أشرف زكي لتقديم اعتذارات.

يرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن لكل فنان الحق في إبداء رأيه في فنان آخر، وأن التصريحات التي تعبر عن محبة أو كراهية لفنان معين تقع ضمن إطار حرية الرأي. وأوضح لـ”الشرق الأوسط” أن المشكلة تكمن في “العصبية غير الطبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة”، مشيراً إلى التحركات التي أثيرت حول عمر مصطفى متولي عند ما قاله عن شكري سرحان بأنه أخذ أكثر من حقه. وأضاف سعد الدين أن هذا الرأي، وإن كان شخصياً، تصاعد إلى قضية كبرى بمجرد خروجه إلى العلن.

بالعودة إلى تصريحات الفنان أحمد عبد الله محمود، فقد أشار فيها إلى أن رشدي أباظة، لو كان حياً، لحصل على نصف أجره في الأعمال الفنية، وهو ما أثار غضباً واسعاً ورفضاً من قبل أسرة الفنان وجمهوره، قبل تدخل نقابة المهن التمثيلية. ورغم أن سعد الدين يرفض ما أسماه “التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم”، إلا أنه يتساءل عن “السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح”.

وأضاف سعد الدين أن الفنانين الشباب يجب أن يدركوا “أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم السوشيال ميديا، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة”.

تفريق بين حرية الرأي والإساءة للرموز الفنية

من جانبه، يرى الناقد والمؤرخ الفني المصري محمد شوقي أن “الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق”. وأشار إلى تصريحات مثل تلك التي أدلى بها الفنان محمد ممدوح حول عدم استمتاعه للاستماع لأم كلثوم، أو تصريحات الفنان أحمد فتحي سابقاً حول عدم استحقاق شكري سرحان للنجومية، بالإضافة إلى آراء حول إسماعيل ياسين تنكر عليه كونه ظاهرة في الكوميديا، وتصريحات نالت من فاتن حمامة وأنكرت عليها لقب “سيدة الشاشة العربية”.

ويفرق شوقي بين حرية الرأي والإساءة، موضحاً لـ”الشرق الأوسط” أن “التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً”. وأكد شوقي أن “التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً”، مشيراً إلى أن رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بمن حوله. وذكر أن أباظة لم يكن يحصل على أجره إلا بعد التأكد من حصول عمال موقع التصوير على مستحقاتهم، كما أنه في مرضه الأخير رفض العلاج على نفقة الدولة، مفضلاً أن يعالج على نفقة “الجماهير” كدلالة على أن أمواله هي من عائد أعماله الفنية.

يعتبر الفنان رشدي أباظة (1926 – 1980) أحد أبرز نجوم السينما المصرية، وعُرف بألقاب مثل “الدنجوان” و”فتى الشاشة”، وقدم رصيداً سينمائياً غنياً بالعديد من الأفلام الناجحة التي تركت بصمة في تاريخ السينما العربية.

وتظل قضية حرية التعبير وحدودها في النقد الفني، خاصة تجاه رموز راحلة، محل نقاش مجتمعي مستمر. ومن المتوقع أن تستمر النقابات الفنية في لعب دور الوسيط لحل مثل هذه النزاعات، بينما سيظل الجمهور يتابع عن كثب أي تجاوزات قد تمس إرث فني عزيز.

شاركها.