في ظلّ تصاعد وتيرة الهجرة من لبنان، يقدّم المسرح اللبناني عملاً فنياً يعكس واقعاً مؤلماً وشوقاً دفيناً إلى الوطن، وهو مسرحية “البيت بيتك”. العمل الذي يعرض حالياً على مسرح “مونو” في بيروت، يطرح تساؤلات حول معنى الانتماء، وقيمة العائلة، وأثر الغربة على الروح. المسرحية من إخراج سامر حنّا وبطولة ألين لحود وطوني أبو جودة، وتتناول قصة عودة غير متوقعة إلى جذورنا.

انطلقت عروض المسرحية في 22 يناير الحالي، وتستمر لعدة أيام، مستقطبةً جمهوراً كبيراً تواقاً لمشاهدة عمل مسرحي لبناني يعالج قضايا تلامس حياتهم اليومية. المسرحية لا تقتصر على سرد قصة شخصية، بل تسعى إلى إثارة حوار مجتمعي حول مستقبل لبنان ومصير أبنائه.

“البيت بيتك” والبحث عن الهوية في زمن الغربة

تدور أحداث “البيت بيتك” حول داليا، التي تجسدها ألين لحود، والتي تعود إلى لبنان بعد تجربة هجرة فاشلة في دبي. تعود داليا لتجد نفسها في مواجهة ماضيها وعائلتها، خاصةً شقيقتها جومانا (مايا يمّين) وحبيبها السابق مروان (طوني أبو جودة). تتفاقم الأمور عندما يظهر مروان كشاري محتمل للمنزل العائلي، بهدف تحويله إلى مخبز مناقيش، مما يهدد رمزية البيت كملجأ وذاكرة.

تتداخل في القصة خيوط أخرى، مثل رغبة ابن الشقيقة جاد (سامر حنّا) في بيع المنزل لبناء مستقبل أفضل، مما يعكس الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها الشباب اللبناني. هذه التفاعلات تخلق دراما إنسانية عميقة، تتناول موضوعات مثل الهجرة، والعلاقات العائلية، والصدمات العاطفية.

الموسيقى والكوميديا كعناصر مُضافة

تتميز المسرحية بكونها عملاً غنائياً (ميوزيكال)، وهو نوع فني قلّما نشاهده في المسرح اللبناني. الموسيقى من تأليف منير حلبي، والكلمات من كتابة جوانا طوبيا، وتساهم في خلق أجواء من الرومانسية والحنين. بالإضافة إلى ذلك، تتخلل المسرحية لمسات كوميدية خفيفة، بفضل أداء مايا بشارة التي تلعب دور صديقة داليا.

أداء ألين لحود لفت الأنظار، حيث استحضرت في أسلوبها الكوميدي ذكريات الفنانتين سلوى وثريا القطريب، المعروفتين بتمثيليهما القريبين من القلب. أما طوني أبو جودة، فقد قدم أداءً متوازناً، جمع بين الجدية والكوميديا، وأظهر خبرته الطويلة في المسرح.

أبعاد المسرحية وتأثيرها على الجمهور

لا تقتصر المسرحية على الجانب الترفيهي، بل تحمل رسالة عميقة حول أهمية التمسك بالوطن والعائلة. تتناول المسرحية قضية الهجرة ليس كحلّ نهائي، بل كتجربة مؤلمة تحمل معها مشاعر الغربة والحنين. كما تسلط الضوء على دور الأم في الحفاظ على تماسك العائلة، وقدرتها على التغلب على الصعاب.

يعتبر الحوار الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها المسرحية في بناء قصتها، حيث يمثل وسيلة للتعبير عن المشاعر، وتجاوز الخلافات، وإيجاد حلول للمشاكل. المسرحية تنجح في إثارة مشاعر الجمهور، وجعلهم يتفاعلون مع الأحداث والشخصيات.

العمل يمثل نقلة نوعية في مسيرة المخرج سامر حنّا، الذي قدم نصاً جذاباً ومعالجاً لقضايا حساسة بطريقة إنسانية. المسرحية تعكس الواقع اللبناني بكل تعقيداته، وتدعو إلى التفكير في مستقبل أفضل.

اختتمت المسرحية بإهداء مؤثر لوالدة سامر حنّا، وبتأكيد ألين لحود على أن العرض هو أيضاً إهداء لعمها الراحل روميو لحود، الذي كان له الفضل في تشجيعها على ممارسة فن المسرح. هذه اللفتة تعكس أهمية العائلة في حياة الفنانين، وتأثيرها على أعمالهم.

من المتوقع أن تستمر عروض “البيت بيتك” لعدة أيام، وأن تحظى بإقبال كبير من الجمهور. يبقى أن نرى ما إذا كانت المسرحية ستساهم في إثارة نقاش أوسع حول قضايا الهجرة والانتماء في لبنان، وما إذا كانت ستلهم أعمالاً فنية أخرى تتناول هذه القضايا الهامة. سيراقب المهتمون بالشأن الثقافي اللبناني ردود الفعل النقدية والجمهوريه للعرض، وتقييم تأثيره على المشهد المسرحي المحلي.

شاركها.