تنهض الحياة ببطء في سوق حلب التاريخية، ثاني أكبر المدن السورية، بعد سنوات من الدمار الذي خلفته الحرب والزلزال. يشهد هذا المعلم الأثري، الذي يعتبر قلب المدينة النابض، جهود ترميم متواصلة لإعادة إحيائه، في مشهد يمزج بين الألم والأمل، وبين الماضي المجيد والحاضر الصعب.

تعكس الصورة الحالية للسوق العريقة تضاداً صارخاً بين الحياة والموت، حيث تعود الأضواء والحركة إلى بعض الأسواق بعد ترميمها، بينما لا تزال مناطق أخرى قريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت والركام. هذا التباين يعكس حجم التحديات التي تواجه عملية إعادة إعمار هذا الجزء الحيوي من المدينة.

إعادة إحياء سوق حلب التاريخية: تحديات وآفاق

تُعد سوق حلب التاريخية من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بأهمية تاريخية واقتصادية وثقافية كبيرة في سوريا. تضم السوق عشرات الأسواق المتصلة، وتمتد من باب أنطاكية وصولاً إلى قلعة حلب، مما يجعلها مركزاً تجارياً فريداً من نوعه.

قبل الحرب، كانت السوق تعج بالحياة والنشاط التجاري، وتضم آلاف المحلات التي تقدم مجموعة متنوعة من المنتجات، من الحرير والتوابل إلى الصابون. ومع ذلك، تسببت الحرب السورية في أضرار جسيمة للسوق، مما أدى إلى تدمير جزئي أو كلي للعديد من المناطق.

جهود الترميم الجارية

تخضع أزقة السوق، التي يبلغ طولها الإجمالي حوالي 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة النطاق تشمل جهوداً محلية ودولية. وفقاً لخبراء الترميم والتجار، تم إعادة افتتاح وتشغيل حوالي 13 سوقاً من أصل 40 سوقاً في السوق.

تعمل مؤسسة الآغا خان للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل حوالي 500 متر من الممرات داخل السوق. بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023.

بالإضافة إلى جهود مؤسسة الآغا خان، تعمل اليونيسكو مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة. يهدف هذا التعاون إلى الحفاظ على التراث الثقافي للسوق وضمان استدامته.

التحديات التي تواجه عملية الترميم

على الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال عملية الترميم تواجه العديد من التحديات. من بين هذه التحديات طول فترة الإغلاق، مما أدى إلى تحول الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية إلى أسواق بديلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا في عام 2023 قد فاقم الوضع وزاد من حجم الأضرار.

وفقاً لمنظمة اليونيسكو، تضررت حوالي 60 في المائة من المدينة القديمة بشكل كبير، في حين دمرت حوالي 30 في المائة منها بشكل كامل. هذا يشير إلى أن عملية إعادة الإعمار ستكون طويلة الأمد وتتطلب استثمارات كبيرة.

عودة الحياة إلى الأسواق: قصص من قلب حلب

على الرغم من التحديات، بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى بعض الأسواق في حلب. يعود التجار إلى متاجرهم التي تم ترميمها، ويفتحون أبوابها من جديد للزبائن. هذه العودة تعكس إصرار أهل حلب على استعادة مدينتهم وإحيائها.

يتحدث التجار عن سعادتهم بالعودة إلى السوق، وعن الأمل الذي يراودهم في مستقبل أفضل. يعبرون عن اعتزازهم بتاريخ السوق وأهميته الثقافية والاقتصادية، ويؤكدون على أن السوق يمثل جزءاً لا يتجزأ من هوية حلب.

يعود السكان أيضاً إلى حلب، ويساهمون في إحياء المدينة. على الرغم من أن عدد السكان لا يزال أقل بكثير مما كان عليه قبل الحرب، إلا أن عودتهم تدريجياً تعطي أملاً في مستقبل أكثر إشراقاً.

الآفاق المستقبلية لسوق حلب

تعتمد الآفاق المستقبلية لـ سوق حلب التاريخية على عدة عوامل، بما في ذلك استقرار الوضع الأمني في سوريا، وتوفر التمويل اللازم لعملية الترميم، وعودة السكان إلى المدينة. من المتوقع أن تستمر جهود الترميم في السنوات القادمة، وأن يتم إعادة افتتاح المزيد من الأسواق والمحلات التجارية.

ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها. من بين هذه التحديات الحاجة إلى جذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتحسين البنية التحتية. بالإضافة إلى ذلك، يجب العمل على تعزيز السياحة في حلب، وتشجيع الزوار على زيارة السوق والتعرف على تاريخه وثقافته.

في الختام، يمثل ترميم سوق حلب التاريخية خطوة مهمة نحو إعادة إعمار المدينة واستعادة هويتها. ومع استمرار الجهود المبذولة، يمكن أن يعود السوق إلى سابق عهده كمركز تجاري وثقافي حيوي، ويساهم في تحقيق التنمية المستدامة في حلب.

شاركها.