رحلت عن عالمنا، يوم الاثنين، الكاتبة والباحثة الأكاديمية سلمى مرشاق سليم، عن عمر يناهز 95 عامًا، تاركةً خلفها إرثًا ثقافيًا وبحثيًا كبيرًا. اشتهرت مرشاق بتفانيها في تتبع مسارات رواد النهضة الأدبية، لا سيما الشوام الذين اتخذوا من مصر وطنًا ثانيًا لهم. كرسّت حياتها لقراءة وكتابة ونقب ماضي الأدب العربي، باحثةً في كتاباتهم المخفية وغير المنشورة.
سلمى مرشاق: شغف بالأرشفة ونكبة عائلية
ولدت سلمى مرشاق في القاهرة، وأبًاها من النازحين من سوريا ولبنان إلى مصر. تلقت تعليمها في المدارس المصرية، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لدراسة الصحافة والأدب. في عام 1957، تزوجت من المحامي اللبناني محسن سليم، لتنتقل وتستقر في لبنان، إلا أن قلبها بقي متعلقًا بمصر وعائلتها. ظلت محافظة على لهجتها المصرية وعاداتها، ومتابعةً دقيقةً للحياة الثقافية والصحفية في مصر رغم عقود من العيش في لبنان.
كانت مرشاق، بصفتها عاشقة للأرشيف، تتحدث دائمًا عن خطورة الاستهتار بعمليات الأرشفة، وما ينتج عنه من ضياع أثر للتاريخ والثقافة. حولت منزلها في بيروت إلى ملتقى لأصدقائها المثقفين والكتّاب، ومركزًا لأبحاثها الأرشيفية المستمرة. كان مشروع ابنها الراحل، لقمان سليم، في تأسيس “أمم للأبحاث والتوثيق”، الذي اهتم بتوثيق حقبة الحرب الأهلية اللبنانية، امتدادًا طبيعيًا لشغفها العميق بهذا المجال.
نظرًا لاهتمامها بالحفاظ على التراث، وهبها أستاذها و صديقها الكاتب المصري وديع فلسطين مكتبته الخاصة قبيل وفاته. بذلت مرشاق جهدًا كبيرًا لنقل هذه المكتبة من مصر إلى بيروت، وقضت سنوات في ترتيبها وتنظيم محتوياتها. ترحل مرشاق عن عالمنا بعد أن قضت حياتها مهتمةً بالثقافة والفكر، تاركةً هذه المكتبة الثمينة، بالإضافة إلى مكتبتها الخاصة، ومجموعة هائلة من قصاصاتها ومخطوطاتها وصحفها التي كانت تحرص على متابعة أحدث إصداراتها يوميًا.
إسهامات سلمى مرشاق البحثية
وضعت مرشاق كتابًا عن “نقولا الحداد الأديب والعالم”، وهو عمل استغرق سنوات بحث وتنقيب. تميزت بعمق تحليلاتها وقدرتها على إلقاء الضوء على جوانب مغمورة في تاريخ النهضة الأدبية، مستكشفةً الدور الفكري والصحافي للحداد من خلال صحيفته “المحروسة”. كما خصّت “إبراهيم المصري رائد القصة النفسية” بدراسة شاملة، تناولت مساهماته المتنوعة في القصة القصيرة والدراسات النقدية.
اهتمت مرشاق بشكل خاص بمسارات رواد الأدب والشعر من الشوام الذين هاجروا إلى مصر، وتركت لنا كتابًا بعنوان “مي زيادة: ما تبقّى منها للجيل الجديد”، والذي ألقت من خلاله الضوء على أسماء نسائية أخريات سجلت الريادة في ساحتهم. كانت دائمًا تبحث عن الجديد والمغبر، لتعيد للقارئ المعاصر لمحات من تاريخ أدبي غني.
دارت معظم أبحاث مرشاق واهتماماتها حول المجموعات الأدبية والثقافية التي تركت بلاد الشام تحت وطأة القمع، أو بحثًا عن فرص حياتية أفضل في مصر. اختارت قصص النجاحات الثقافية لهؤلاء المهاجرين، وسير أدباء وصحافيين لم يُكتب عنهم الكثير، لتقوم بدور تدوين استعادة أماكنتهم المستحقة. ربطت أبحاثها الكاتبة اللبنانية أملي نصر الله، التي تشاركت معها في الكتابة عن المهاجرين وهمومهم وآلامهم.
كانت مرشاق دائمًا تولي اهتمامًا للمهمشين والمستبعدين في السرد التاريخي. حزنت كثيرًا على مؤلفات لم تجد من يهتم بها، وكتب لم تُؤرشف أو تُرتّب. آمنت بضرورة العمل الجماعي والمؤسساتي لإنقاذ التراث الثقافي، واعتبرت أن ما قامت به هو ما أمكنها فعله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تأثير رحيلها و إرثها
مع رحيل سلمى مرشاق سليم، يبرز، وللأسف، مصابها المفجع في فقدان ابنها لقمان، أكثر من الحديث عن مؤلفاتها وإسهاماتها البحثية. فالحزن الذي عاشته في أواخر حياتها، والدموع التي حبستها، تركت أثرًا عميقًا في نفوس كل من عرفها. بغيابها اليوم، بعد 5 سنوات بالتمام من الاغتيال المروع لابنها، تترك فراغًا كبيرًا لدى كل أولئك الذين كانوا يلتفون حولها ويتشاركون معها محنتها.
يبقى الإرث الأرشيفي والمكتوب للمؤلفة والباحثة الراحلة بمثابة كنز ثمين، يستدعي مزيدًا من الاهتمام والتقدير. يتوقع أن تستمر الجهود المبذولة لحفظ وتنظيم مكتباتها وأرشيفها، وربما إطلاق مبادرات جديدة تستلهم من شغفها بالأرشفة والبحث عن النسيان الأدبي والثقافي، سعيًا لحفظ ذاكرة أمتنا العربية.
