يستعدّ الجمهور السعودي لمتابعة أحداث مسلسل “حي الجرادية”، العمل الدرامي الجديد الذي يغوص في أعماق المكان الشعبي وتاريخه، متخذاً من هذا الحي العريق في العاصمة الرياض مسرحاً لملحمة انتقام عائلية معقدة. يبرز المسلسل كدراما اجتماعية تسلط الضوء على قضايا الظلم، والتاريخ الشخصي المشترك، وتأثير الماضي على حاضر الشخصيات، مما يعد بتقديم تجربة مشاهدة غنية ومليئة بالتشويق.

تحكي قصة “حي الجرادية” عن عودة شخصية محورية، رجل مسن (يجسده الفنان إبراهيم الحساوي)، إلى الحي الذي شهد ماضيه، حاملاً معه ثقلاً من الألم وفاتورة طويلة من الظلم. هذه العودة ليست مجرد زيارة، بل هي نقطة انطلاق لمشروع انتقام منهجي، يهدف إلى معاقبة من يعتبرهم مسؤولين عن معاناته. يتولى ابنه (يقوم بدوره الفنان محمد القس) التنفيذ المباشر لهذه الخطط، مدعوماً من أخته (تؤدي دورها الفنانة نيرمين محسن)، ليتحول الحي الهادئ ظاهرياً إلى ساحة للتكشّف الدرامي، وتتصاعد الأحداث مع تداخل المصائر.

“حي الجرادية”: دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

في سياق حبكة المسلسل، تظهر شخصية “منيرة”، الابنة الصغرى للرجل المظلوم، والتي تجسدها الممثلة نيرمين محسن. يُعد هذا الدور علامة فارقة في مسيرة نيرمين المهنية، إذ تنتقل من تقديم أعمال كوميدية وخفيفة إلى أداء شخصية درامية ذات أبعاد نفسية معقدة، مما يمنح الجمهور فرصة لاكتشاف جوانب جديدة في أدائها التمثيلي.

وفي تصريحات خاصة لـ”الشرق الأوسط”، عبّرت نيرمين محسن عن سعادتها البالغة بهذه التجربة، مؤكدة أن “حي الجرادية” قد أتاح لها المجال لإظهار إمكاناتها التمثيلية المتنوعة. وأوضحت أن بداياتها الفنية في مجال الكوميديا والتقليد قد حصرتها في أدوار متشابهة، مما جعلها تنتظر بشغف نصاً درامياً يفتح لها آفاقاً جديدة ويتيح لها تقديم التنوع في أدوارها.

من المسرح الروائي إلى الشاشة الدرامية

أشارت نيرمين إلى أنها كانت قد اختبرت هذا النوع من الأداء التمثيلي المعتمد على العمق النفسي سابقاً في المسرح الروائي الجاد، حيث تركت بصمة واضحة. وأبدت تطلعها إلى نقل هذه التجربة المسرحية الغنية إلى الدراما التلفزيونية، من خلال نص قوي يمنحها مساحة أكبر للتعبير عن طاقاتها. وأضافت أن مشاركتها في موسم دراما رمضان تضمنت تقديم شخصيتين مختلفتين جذرياً: “منيرة” في “حي الجرادية” و”عهود” في مسلسل “أنا ولا أنا”، معتبرة هذه الخطوة محطة هامة في مسيرتها الفنية، حيث توسع من خياراتها وتضع أمامها تحديات تمثيلية جديدة.

وعند سؤالها عن سر انجذابها لشخصية “منيرة”، أوضحت نيرمين أن ما لفت انتباهها هو الطابع المعقد لهذه الشخصية. وأوضحت أن “منيرة” تمثل فكرة “الشر المخفي”، الذي يتجلى غالباً في تفاصيل دقيقة وسلوكيات غير مباشرة، بدلاً من الظهور المباشر. ينبع هذا الشر من صدمات طفولة عميقة ورغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية ظاهرياً على مظهر هادئ ومتردد. وقد كرّست نيرمين وقتاً طويلاً لقراءة الشخصية بعمق، ومحاولة فهم ردود أفعالها، والاقتراب منها كإنسانة تعيش صراعاً داخلياً حاداً بين طبيعتها الطيبة الكامنة ودوافعها القاسية التي تدفعها نحو قرارات صعبة.

بناء المسار النفسي للشخصية

أكدت نيرمين أن التحضير لشخصية “منيرة” تم ضمن إطار عمل جماعي، حيث تضمنت التحضيرات جلسات “بروفات الطاولة” التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. خلال هذه الجلسات، تم النقاش المستفيض حول أبعاد الشخصية، ودوافعها النفسية، ومسارها داخل بناء القصة، مما ساهم في ترسيخ ملامحها الداخلية وضبط إيقاعها النفسي بدقة.

وعن أبرز التحديات التي واجهتها في تجسيد شخصية “منيرة”، أشارت نيرمين إلى أن فهم وتنفيذ الدوافع والانفعالات العميقة للشخصية كان هو المحور الأساسي لهذا التحدي. فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يدور في عالمها الداخلي بشكل أكبر من تعابيرها الخارجية، حيث تتميز بلغة جسد هادئة ونبرة صوت محسوبة، بينما تعج دواخلها بالصراعات والذكريات التي يستمر تأثيرها في قراراتها.

يتماشى حديث نيرمين محسن مع طبيعة مسلسل “حي الجرادية”، حيث يعتمد العمل على بناء توتر تدريجي يتكشف بمرور الوقت. تتجلى الشخصيات طبقة تلو الأخرى، بينما تتحول العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق والخوف، ضمن عالم يشمل تجارة المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز. كل ذلك يحدث دون وجود حد رادع لهوس الانتقام والرغبة في تدمير سكان الحي.

وفيما يتعلق بالتفاعل الجماهيري، أعربت نيرمين عن سعادتها الكبيرة بالردود المشجعة التي تلقتها، مشيرة إلى تقديرها لهذا التفاعل مع العمل والشخصيات. ترى نيرمين أن الجمهور السعودي اليوم يتمتع بوعي فني عالٍ ونضج في تلقي الأعمال الدرامية، ويقدر الجهد المبذول عند تقديمه بصورة احترافية. واختتمت حديثها بتوجيه رسالة للمشاهدين، مؤكدة أن “الأحداث المقبلة ستحمل تصاعداً أكبر بكثير” في درجة الإثارة والتشويق.

شاركها.