المصريون في البيت: ملل وخناقات و«كوميكس»

فرض قرار الإغلاق المبكر للمنشآت التجارية والمقاهي في مصر، الهادف لتقليل تداعيات الأزمات العالمية، واقعاً جديداً على الأسر المصرية، حيث تحولت المنازل إلى مسارح للملل والصراعات، وتزايدت حدة الخلافات الزوجية، بينما لجأ البعض إلى السخرية وتعبيرات “الكوميكس” على منصات التواصل الاجتماعي للتخفيف من وطأة هذا التغيير المفاجئ. يأتي هذا القرار، الذي حدد التاسعة مساءً موعداً للإغلاق العام وبواقع عاشرة مساءً في عطلة نهاية الأسبوع والإجازات الرسمية، استجابةً لضرورات اقتصادية، لكنه ألقى بظلاله الثقيلة على الحياة الاجتماعية والعائلية.

شهدت البيوت المصرية مؤخراً ارتفاعاً ملحوظاً في حدة التوترات والخلافات الأسرية، كان سببه المباشر هو اضطرار العديد من الأفراد، وخاصة الرجال، لقضاء أوقات أطول داخل منازلهم بعد انتهاء أعمالهم. هذا التغيير الجذري في الروتين اليومي، الذي كان يمنحهم متنفسهم خارج المنزل، بات يضعهم في مواجهة مباشرة مع أسرهم، مما أدى إلى تفاقم المشاحنات حول تفاصيل يومية صغيرة، مثل استهلاك الكهرباء والإنترنت، أو مجرد الاختلاف على برامج التلفزيون.

تداعيات الإغلاق المبكر على الأسرة المصرية

ينص القرار الحكومي المصري على غلق جميع المحال العامة، بما في ذلك المراكز التجارية والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً عند الساعة التاسعة مساءً، مع استثناء يومي الخميس والجمعة والإجازات الرسمية حيث يكون الإغلاق في العاشرة مساءً. ويهدف هذا الإجراء، بحسب الحكومة، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً». ورغم أن الهدف المعلن هو الحد من الآثار الاقتصادية السلبية، إلا أن نتائجه الاجتماعية بدأت تتكشف بوضوح.

تروي سيدة تدعى هند إبراهيم (اسم مستعار)، ربة منزل في الثلاثينيات، تجربتها المريرة مع زوجها الذي بات يخرج يومياً إلى المقاهي حتى وقت متأخر، متعللاً بالملل والرغبة في التنفيس عن نفسه. هذا السلوك دفعها إلى اتهامه بالخيانة، حيث أدى إلى شجار محتدم بينهما. وبينما لجأ الزوج إلى تصوير مقاطع فيديو له مع أصدقائه في المقاهي «المُظلمة» كتحايل على القرار، ظلت شكوك هند قائمة، مما يعكس حجم الضغط النفسي الذي تعيشه.

كما يصف محمد رأفت (45 عاماً)، محاسب وأب لثلاثة أطفال، حياته بعد الإغلاق بأنها أشبه بالوقوع في الأسر. يجلس لساعات طويلة في صالة منزله، يتنقل بين قنوات التلفزيون، لكن دون جدوى. يوضح رأفت لـ«الشرق الأوسط» أن جلسته المسائية تحولت إلى «مشاحنات متكررة» مع أبنائه وزوجته بسبب خلافات حول إضاءة الأنوار أو ارتفاع استهلاك الإنترنت. ويشكو قائلاً: «قبل الإغلاق كنت أهرب إلى المقهى من ضجيج الدروس الخصوصية وطلبات المنزل التي لا تنتهي، أما اليوم فأنا في مواجهة مباشرة مع زوجتي وأبنائي».

وللتخفيف من وطأة هذا الملل، يلجأ رأفت إلى هاتفه المحمول، متصفحاً فيسبوك، حيث يجد بعض التهوين في منشورات ساخرة. ومن هذه المنشورات ما يعكس واقع الكثيرين، حيث تقول إحداها: «واضح إن الإغلاق الحكومي خلى كل واحد يقابل الحكومة الداخلية بتاعته وجهاً لوجه… البيوت داخلة على دوري أبطال العالم في الخناقات الزوجية».

الجانب النفسي والاجتماعي للإغلاق

تشير الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية، إلى أن قرار الإغلاق المبكر فرض واقعاً جديداً على البيوت المصرية. ففي حين أتاح فرصة لزيادة وقت قضاءه الأسر معاً، مما قد يعزز الروابط العائلية، إلا أنه كشف أيضاً عن خلافات كامنة وزاد من حدة التوتر بين الأزواج، خاصة مع عدم اعتيادهم على هذا القدر من الوجود المشترك. وبينما يشعر البعض بالاختناق والقلق لعدم اعتيادهم على هذا التقييد، فإن حرمان الكثيرين من متنفسهم اليومي قد يؤدي إلى ضغوط نفسية واجتماعية واضحة.

تضيف نجيب أن الوجود الطويل داخل البيت بدأ يكشف عن «صدوع مخفية» في العلاقات الأسرية كانت تغطيها الانشغالات الخارجية. كما لا يمكن فصل الأثر الاجتماعي عن الواقع الاقتصادي، فالوجود المستمر في المنزل خلال الأزمات المالية يزيد من سقف الطلبات المنزلية التي قد لا تُلبى، مما قد يولد عنفاً أسرياً ناتجاً عن العجز والضغط. وتستشهد بنقطة مشابهة لما حدث خلال جائحة كورونا، حيث شهدت تلك الفترة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الطلاق والنزاعات العائلية.

من جانبه، يؤكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الظاهرة قد تؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية، والإصابة بنوبات اكتئاب، وتحويل المنزل من مكان للراحة إلى «ساحة احتكاك». يوضح هندي أن الشخص الذي اعتاد تفريغ طاقته خارج المنزل يجد نفسه فجأة محصوراً فيه لساعات طويلة، وهذا الفراغ قد يدفع رب الأسرة للتدخل في أدق تفاصيل المنزل، وفقاً للمثل الشعبي «الفاضي يعمل قاضي»، بفتح أبواب للصراعات واختلاق مشكلات غير ضرورية.

يشير هندي أيضاً إلى خطر اختلال الساعة البيولوجية، فالقلق الناتج عن الحرمان من الخروج قد يولّد أرقاً وصعوبات في النوم، مما يدفع إلى الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات كبديل. هذا قد يرفع معدلات الإدمان الإلكتروني، وربما الخيانة الزوجية الافتراضية كعلاج للملل الجماعي، مع زيادة معدلات التدخين كآلية لتفريغ القلق.

«الكوميكس» سلاح المصريين للتعامل مع الوضع

في مواجهة هذه التداعيات، فتح المصريون نافذة للتكيف مع الواقع عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستخدمين المدونات الساخرة وتعبيرات «الكوميكس» المستلهمة من الدراما الكوميدية. عبر هذه المنصات، يتنبأ الكثيرون بـ«اشتعال» العلاقات الزوجية، ويعبرون بسخرية عن حالة الضيق التي خلفها القرار، وتتداول المنشورات الساخرة حول الرجل المطرود من مقهاه، والزوجة التي فقدت هدوء المنزل. البعض يربط هذا البعد الاجتماعي بالأمن الخارجي، مؤكداً أن الأمن الاجتماعي داخل البيت لا يقل أهمية.

تضررت بعض السيدات من أعباء إضافية، سواء بعودة الأزواج مبكراً إلى المنزل، أو بنقل طلبات المقاهي إلى داخل المنزل، أو بتدخل الزوج في أدق شؤون المنزل. لمواجهة هذا «الفخ» النفسي والاجتماعي، ينصح استشاري الصحة النفسية بضرورة إعادة هندسة الوقت والجهد داخل المنزل، عبر إدارة العقل بذكاء وتبني سلوكيات تفاؤلية، وتنظيم أنشطة منزلية تعوض الفقد الاجتماعي، لتجنب تحول قرار بسيط إلى أزمة اكتئاب جماعي. بينما ترى خبيرة العلاقات الأسرية أن التحدي يكمن في تحويل هذه الفترة إلى فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، من خلال تنظيم أنشطة جماعية، ومشاركة الأبناء، واحترام المساحة الشخصية لكل فرد، معتبرة أن الأزمة قد تكون اختباراً صعباً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة اكتشاف التواصل الأسري وتقوية الروابط.

شاركها.