لم يكن فيلم “ذروة كلّ شيء” (Peak Everything) للمخرجة الكندية آن إموند مجرد عمل سينمائي عادي، بل انعكاسًا لتجربة شخصية عميقة عايشتها خلال فترة العزلة التي فرضتها جائحة كوفيد-19. الفيلم، الذي عُرض لأول مرة في الشرق الأوسط ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، يطرح تساؤلات حول القلق الوجودي وتغير المناخ، ويقدم قصة إنسانية مؤثرة تتناول هشاشة الحياة في ظل هذه التحديات.
وصفت إموند تلك الفترة بأنها كانت شديدة الوطأة، حيث وجدت نفسها محاصرة بالوحدة وتغرق في قراءات وبحث عن تأثيرات تغير المناخ. أدى هذا إلى شعورها بقلق عميق لم يكن مجرد فهم نظري للمشكلة، بل خوفًا شخصيًا على المستقبل، ورأت أن هذا القلق ينعكس على حياتها الداخلية وعلى العالم المحيط بها.
“ذروة كلّ شيء”: استكشاف القلق الوجودي في زمن التغيرات
يروي الفيلم قصة آدم، رجل يعاني من ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة، تتفاقم بفعل المؤشرات الواضحة لتغير المناخ. يتناول الفيلم تعقيدات علاقات آدم، وتوتره الداخلي، ورحلته نحو البحث عن معنى في عالم يبدو على شفا الانهيار.
أضافت إموند أنها أرادت أن يكون الفيلم صادقًا وفوضويًا، وأن يعكس حالة العقل التي كانت تعيشها أثناء الكتابة. وعليه، ابتعدت عن السرد التقليدي، مفضلةً اتباع شخصية آدم في رحلته غير المتوقعة، والتي تعج بالأسئلة والقلق والاحتمالات المفتوحة.
ردود الفعل المتنوعة والرسالة الإنسانية
أشارت المخرجة إلى أن الفيلم أثار ردود فعل متباينة، حيث وجد البعض فيه تعبيرًا صادقًا عن مشاعرهم وقلقهم، بينما انتقده آخرون بسبب حساسية شخصية البطل. لكنها تؤكد أن الحساسية ليست ضعفًا في هذا الزمن، بل هي انعكاس للواقع المرير الذي نعيشه.
وذكرت إموند أنها اختارت الممثل باتريك هيفون تحديدًا لأنها أرادت تقديم وجه مختلف للرجل، بعيدًا عن الصورة النمطية للثقة والقوة. رأت في هيفون القدرة على تجسيد هشاشة آدم وقلقه الداخلي، والكشف عن جانبه الإنساني الحقيقي.
سعى الفيلم إلى تقديم لمحة أمل وسط الظلام، من خلال التركيز على الحب والعلاقات الإنسانية كقوة دافعة للتغلب على الصعاب. على الرغم من تناوله لموضوعات قاسية مثل تغير المناخ والضغط النفسي، إلا أنه يحمل رسالة إيجابية حول قدرة الإنسان على التكيف والصمود.
تحديات الإنتاج والنجاح العالمي للفيلم
لم يكن إنتاج الفيلم سهلًا، خاصةً مع الميزانية المحدودة والتحديات المتعلقة بتصوير مشاهد تتضمن حيوانات وكوارث طبيعية. ومع ذلك، تمكن فريق العمل من تجاوز هذه الصعوبات، مدفوعًا بإيمانهم بالفيلم ورسالة.
كانت مشاركة الفيلم في مهرجان كان السينمائي بمثابة مفاجأة سارة لإموند، حيث لم تكن تتوقع أن يتم اختياره للمشاركة في هذا المهرجان المرموق. وبعد ذلك، بدأ الفيلم يحقق نجاحًا عالميًا، ويشارك في العديد من المهرجانات السينمائية، بما في ذلك مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
يتطرق الفيلم إلى قضايا بيئية (environmental issues) هامة، ويدعو إلى التفكير في مستقبل كوكب الأرض. كما يسلط الضوء على أهمية الصحة النفسية (mental health) والتعامل مع القلق والتوتر في ظل الظروف الصعبة.
تستعد آن إموند حاليًا لكتابة فيلم جديد، يختلف في موضوعه عن “ذروة كلّ شيء”، حيث تدور أحداثه حول قصة حب معقدة. ومع ذلك، تؤكد أنها لن تنسى الدروس التي تعلمتها من تجربتها هذه، وأنها ستستمر في تقديم أعمال سينمائية تعكس الواقع وتطرح تساؤلات مهمة حول عالمنا.
من المتوقع أن يستمر عرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية حول العالم خلال الأشهر القادمة، مما سيساهم في زيادة الوعي بقضايا تغير المناخ والصحة النفسية. يبقى أن نرى كيف سيؤثر الفيلم على النقاش العام حول هذه القضايا، وما هي الخطوات التي ستتخذها الحكومات والمؤسسات للتعامل معها بجدية أكبر.
